الأحد، 15 يناير، 2012

يوم حلو

ابدأ يومك بكوباية شاى بلبن سخنة مولعة أو عصير بيور بالبرتقال و الجزر..حضر الشنطة قبل ما تنام و حط فيها أى حاجة تحس أنها ممكن تنفعك فى يوم زى دة..يوم قررت انه هايكون حلو .
اتمشي الصبح بدرى و شم الهوا..مختلف فعلا عن الهوا المشموم قبل كدة بتاع بعد الظهر..عد الشجر و انت ماشي و اتفرج على الزلط الصغير اللى فى الأرض..اتعود تبص على كل حاجة مرتين و ركز فى الألوان و الملامح و العينين و اليُفط .
ابعت رسالة لطيفة لحد و خليك سبب ابتسامته البلهاء طول اليوم , و لما تقابل حد مكشر ابتسم فى وشه و متستناش منه رد ابتسامة..خالص يعنى !
اتفرج على العيال و هم رايحين المدرسة باليونيفورم و افتكر أيام ما كنت قصير كدة زيهم و اندهش على قد ما تقدر .
كلم "...." اللى كان بياكل سندويتشاتك فى المدرسة و قوله انك تخنت قوى عن زمان و انك نفسك تبطل أكل التنانين دة و انه بجد وحشك .
ممكن ترتاح على قهوة بس قبل ما تطلب سحلب افتكر انك هتأجل السحلب ليوم تانى يكون برد أكتر من كدة و اطلب كوباية شاى ( لو بتحب الشاى ) .
اركب المترو و فكر فى القصة الجاية اللى نفسك تكتبها أو المشروع المطلوب منك فى الشغل أو هدية عيد ميلاد مامتك.
لاعب الأطفال بحواجبك و مناخيرك و لو لقيتهم جريوا على أمهاتهم اعرف انهم عيال نكد و ان انت لسة برضو دمك خفيف.
راقب حركة التُوَك الصغيرة اللى فى شعر البنات اللى عندهم بالكتير تلات سنين و أمهاتهم سحباهم بسرعة لأن الشنط و الأكياس فعلا تقيلة و ابتسم .
صللى كل فرض فى جامع و فكر بتأنى فى دعوة حلوة و لما تحصل -حتى لو بعد سنين- افتكر تبص للسما بامتنان .
دوّر لسانك فى بوءك مرتين بس , مش سبعة زى ما الفرنساويين بيقولوا..مرة واحدة هتخليك تغلط كتير و سبع مرات هتخليك تسكت خالص .
احتفظ بتذاكر الأفلام اللى دخلتها و أثرت فيك و افتح كتب مدرستك القديمة و افتكر الأيام دى و لو ملقتهاش متربة , ممكن تشمها , و تفتكر حاجات كنت فاكر انك عمرك ما هتفتكرها .
اشرب مية كتير و افتكر ان مش كل حاجة لازم يبقى ليها طعم و ريحة و لون عشان يبقى ليها أثر فى حياتك .
صوّر كتير و ارسم كتير و اكتب كتير و الطع حاجتك فى كل حتة فى اوضتك .
حاول لما تسمع " حبوا بعضن " ما تزعلش و اسمع بعدها " ايه فيه أمل " .
ما تسمحش بسهولة ان حد يعكنن عليك..او حتى اقنع نفسك انك مش زعلان أوى يعنى ( والله احيانا بتنفع )
بكل الأحوال , حاول تخلّى اليوم دة مميز عشان لما تحتاجه تفتكره..و أكيد هتحتاجه .

الأربعاء، 14 ديسمبر، 2011

جملة اعتراضية

لم تكن تتوقع أنها ستواجه مشاكل لا يستطيع النسكافيه الخالى من اللبن حلها..أو على الأقل يساعدها على التفكير.
لم تعد الشوكولا و الورق الخريفى الأصفر المحمر يسعدها و لا باتت أيادى الأطفال حديثى الولادة تدهشها..كانت تهتم بشم الورد الملون و تذوق المربات المنزلية التى تصنعها أمها و تحرص على اظهار الاعجاب دائما بما تصنعه..فما من مرة نسيت فيها أن تكتب نوت صغير على البرطمان الزجاجى " confiture du paradis " لكنها الآن لا تهتم .
بقى شئ واحد فقط من سلوكها المعتاد القديم..تلك الأسئلة الغبية التى لا يجيبها أحد عليها و لا يكترث أحد بأن يبحث معها عن اجابات منطقية أو غير منطقية و لا حتى يحاول أحد منعها من السؤال .. أسئلة من نوعية لماذا الماء مبلل مثلا..فى الواقع اهتم شخص واحد بالاجابة عن هذا السؤال و بعدها لم يعد يجيب أو يسأل.أو يظهر ,  لكنها لا تخشى أن تقسم أنها ما زالت تسمع صوته يناديها و انها حين تفرك يديها بقوة معا تشم رائحته النفاذة التى تبعث على القشعريرة .
أخذت الأنوار مع الوقت تبدو أوضح مما تحتمل عيناها فأصبحت تخاف الرؤية و قررت أن تغمض عينيها تماما حتى لا تتأذى..حاليا هى لا ترى شيئا بالفعل..كل شئ متشابه  بطريقة مزعجة .
فى المساء لم تعد تحرص على شرب القهوة مع أبيها..ليس فقط لأنه لم يعد موجودا و لكنها فقط أصبحت تعانى من بعض مشاكل النوم الذى لم تظن أبدا أنه قد يشكل لها أى مشكلة .
أصبحت تغنى بصوت عالى و ترقص فى المنزل و تأكل كثيرا و لا تدرى لذلك سببا واضحا..تقول خالتى الصغيرة ان المبالغة فى تناول الطعام ما هى الا اعراض اكتئاب و لكنها تحب الطعام فلم الفزلكة اذن ؟!
ازدادت وزنا..كان يضايقها هذا كثيرا لكنه مع الوقت أصبح حجة غير مقنعة لعدم ذهابها لحفلات الخطوبة و الأفراح التى لا تنتهى..لن تذهب بدونه بكل الأحوال..كان من المفترض أن يكونا هما أصحاب الفرح الأول و بمنطقها بما انه لم يكن هناك فرح اول اذن فلا معنى لوجود فرح ثانى .
فقط السقف..ذلك الفراغ الغبى الذى يتسع لمعظم الهراء الذى يملأها..تشكو اليه..تبكى له..تغنى له..تبتسم له ..و أحيانا تقذفه بغيظ بأى شئ قريب فينزل على رأسها فتتخيل السقف ماداً لسانه فى شماتة لا تحتملها فتخرج سيجارة و تدخنها...لو علمت أمها بأمر السجائر للطمتها..ربما لذلك أصبحت تتناسى عمداً رش معطر الجو .
قررت أن تبعث برسالة قصيرة لمحمد..الشخص الوحيد الذى لا تشعر انه ينتمى اليهم كأرضيين..ستخبره أنها تريد فستانا مثل ذلك الذى لبسته فاتن حمامة على البحر فى فيلم لا أنام..هذا الأبيض الممتلئ بخطوط و نقاط حمراء..سيحرص على أن يتحدث اليها و لن ترد على الهاتف لأنها تشعر أنها لا تستطيع ان تضحك الآن .
تقرر قرارا أصعب من ناحية التنفيذ..النوم .
اتخذت وضعا مريحا فى سريرها المريح ..تركت المصباح الصغير مضاء حيث أن الظلمة لم تعد تبعث على السكينة هذه الأيام فما هى الا محفز قوى لافراز سيل من الأفكار السخيفة.. و الآن أصبح كل شئ معد لسيل من البكاء الخافت الذى يساعدها على تخطى فكرة حياتها التى أصبحت تمثل لها المعنى الحقيقى لتلك الكلمة التى لم تفهمها أبدا من قبل " اللاشئ "..تقر داخليا ان وجودها ما هو الا جملة اعتراضية فى زحام من الجمل المهملة داخل كتاب محبوك القصة ..و تنام .

الأحد، 2 أكتوبر، 2011

تلك الفتاة

لم تعد تعنيها النظرات المتطلعة فى استغراب إلى تلك الفتاة التى لا تحسن صنع ضفيرة لنفسها فيتدلى ذيل حصانها غير المشدود من الشباك و هى تبتسم ملئ فمها , كاشفة عن أسنان تعرف انها ليست الاجمل- و لكنها تؤمن تماما ان الابتسامة مهما بدت بلهاء فهى جميلة - ملاعبةً طفل صغير ذا أقدام حافية لا تعرف سوى ان اسمه على و انه ابن بواب العمارة المقابلة لعمارتها .
تجرى الى الثلاجة فى حماس لتجلب له قطعة من الشوكولا التى تأكلها فى شراهة و التى تعتبرها سبب أساسى فى ملئ جسدها البض و الذى لا يضايقها إطلاقاً..يأخذها مبتسماً فتشعر بالنجاح و الراحة و تذهب لتبدأ يومها..يومها الذى يعتمد بشكل أساسى على تجاهل نظرات الكثيرين..نظرات السيدات اللاتى يتعجبن من سيرها مرفوعة الرأس ناظرة إلى كل ما حولها من محلات زهور و سلات قمامة و رجال عجائز يقرأون فى الجرائد و امرأة شقراء أجنبية اعتادت المشى صباحا فى شوارع وسط البلد..نظرات رجال لم يعتادوا رؤية احداهن تركب العجلة و تقف فجأة لتلعب مع فتاة صغيرة قابلتها فى الطريق.
تتعمد أن تقترب من أبواب المقاهى الصغيرة حيث أنها تحب رائحة البن و القهوة على الرغم من عدم شربها لهذه المشروبات..مشروبات " الكبار " او هكذا تعتقد .
تضع سماعاتها فى أذنيها لتقول لفيروز " صباح الخير " لكن سرعان ما تفرغ البطارية..دائما ما تنسى أن الأجهزة تحتاج إلى شحن كهربائى و أنه لا يمكن أن تعطيها بعض الشوكولا حتى تعمل , فتصالح نفسها غير عابئة و تبدأ فى تكملة الأغنية بصوت خافت و هى تطلع الى المحلات المصفوفة فى طريقها .
تصل الى كليتها قبل الميعاد على غير العادة فتجلس قليلا مع " أم سعيد " و تكتشف أن لها أربعة أبناء و بنت غير سعيد و على الرغم من ذلك لا يظهر عليها علامات التقدم فى السن و لم تترهل بطنها بعد هذه الولادات الكثيرة المتلاحقة..الضئيلات جسماً هن الكثيرات حظاً إذن.
يبدأ اليوم و ينتهى فى ملل تتخلله بعض الأحداث اللطيفة مثل رؤية آدم زميلها الذى ربما لا يعلم بوجودها و لكنه أطول من ألا تلاحظه و سندويتش الكبدة الاسكندرانى الذى أكلته مع صديقتها بعد المحاضرة .
فى طريق العودة تتوقف مرة لشرب عصير مانجة و مرة لتدخل محل فارغة اليد فتخرج حاملة كيس.
فى بداية الشارع تلمح ابن البواب فتخرج من جيبها قطعة شوكولا صغيرة و تقدمها له فيبتسم لها ابتسامته المحببة إلى قلبها , تنزل على ركبتيها و هى تخرج من الكيس حذاء صغير فينظر على اليه فى رهبة ثم يتجرأ و يمسكه و يشكرهها فى فرح فتقدم له خدها فيقبلها قبلة خاطفة و يجرى ليجلس على سلم العمارة ليرتدى حذاءه الجديد.

الأحد، 28 أغسطس، 2011

ه ج ر

" ما تبقيش غشيمة امال ! "
فتنظرهاجر فى أسف إليها و متلعثمة تقول " ما هو أصل الغرز صغيرة اوى و الابرة بتفُط من صوابعى يا ابلة ليلى.."
فتعتدل فى فراشها ترفع بعض الشعيرات البيضاء الناعمة من أمام عينها و تقرب الفناة ذات التسع عشرة عاماً منها و هى تمسك بيديها الاثنتين الابرتين و فى بطء مفتعل تريها كيفية عمل الغرزة و ان الكروشيه فن جميل و نتيجته ملموسة و سريعة ثم  تغمز بعينها اليمنى قائلة " و اول حاجة هتعمليها , هاشتريها منك " , فتلمع عين الفتاة و تبتسم .
بينما تنهمك هاجر فى الكروشيه , تدخل الغرفة فتاة عشرينية شديدة بياض البشرة شديدة سواد الشعر و تقبل جبين والدتها و تلقى سلاما عابرا على هاجر..تتحرك فى سرعة , و هى تمد الى العجوز دواء الساعة الخامسة و هى تقول فى حنق " فات ساعة الا ربع على معاد الدوا " و تنظر الى هاجر نظرة أدركت معناها..فتلعثمت مبررة " والله يا آنسة إيمان محسناش بالوقت " ثم تضيف قائلة فى زهو شاهرة قطعة ملونة من القماش لا معالم لها  " شفتى ابلة ليلى علمتنى اعمل دة ".
تمتنع إيمان عن الرد و تلقى بكلمتها المعتادة فى أذن الأم " يا ماما هو احنا بندفعلها عشان نعلمها تريكو؟!..انا لو بارجع بدرى من الشغل كان زمانى باخد بالى من مواعيد الادوية بتاعتك "
فترد عليها جهرا غير عابئة " ملكيش دعوة بهاجر..و دة مش تريكو دة كروشيه.. "
تلف لسانها فى فمها سبع مرات حتى لا تتفوه بما يغضب امها و تشير فى هدوء الى هاجر " قومى اغسلى المواعين و رَوّحى "
فتفز واقفة و تسأل " احضرلك تاكلى ؟ "
فتنهى النقاش بحسمها المعروف " اغسلى المواعين و رَوّحى..بس "
تقترب إيمان و تنظر لامها فى حنو و هى تحاول ان تقنعها انها جلبت هاجر لتخدمهما لا لتزيد من همومها و مسئولياتها فتدافع عندا ليلى فى اشفاق معللة ان البنت يتيمة و انها ستساعدها لانها تستحق و ان المرتب و ان كان كافياً فانه لن يكفيها عمراً..ففتاة غير متعلمة مثل هاجر تحتاج الى صنعة تعتمد عليها فيما بعد اذا تبدلت الظروف .
فتنظر الي تجاعيد وجهها و عينيها المختفيتين خلف نظارة قديمة الطراز و هى تتنهد و تدعو دعوات صادقة داخلياً بأن يعطي الله والدتها الصحة و العافية و لا يغير قلبها الطيب هذا أبدا.

" هاجر "
فتشير الفتاة الى الهاء و هى تقول " مش دى اللى قلتى انها شبه الفيونكة ؟! "
فتبتسم السيدة العجوز " فيونكة فى نص الكلام..فى الأول بتتكتب كدة.." و أمسكت يد الفتاة الحاملة القلم الرصاص و هى تعدل من امساكها بالقلم " يللا اكتبيها 5 مرات "
تدخل إيمان مستفسرة عن سر التصفيق الذى سمعته فتضحك الأم معللة " هاجر دلوقتى بقت تقدر تفك الخط و تكتب كمان "
فتبتسم ابتسامة موهنة و تهم بالخروج لولا ان نادتها الأم تطلب منها قهوة الساعة السابعة و عصير طازج لهاجر حتى تستعيد نشاطها..فتدرك انها الان فى خدمة أمها و خادمة أمها و لكنها تعود بالقهوة و العصير..فقط لأنها لم تر أمها فى هذه الفرحة العارمة منذ فترة بعيدة.

" انا لازم امشى...ماتزعاليش مينى "
تلقى إيمان بالجواب فى الدرج و تلقى بنفسها على الكرسى و هى تسند رأسها إلى المكتب..مئات الأفكار و الخواطر و الأحاسيس الساخطة تسيطر عليها...يجب ان تعطى الجواب لأمها حتى لا تظن انها طردتها..كما سترى انها أصبحت تستطيع أن تُكوّن جملا قصيرة صادمة..ربما ليست صحيحة تماما ولكنها تفى بالغرض...أم أن عليها اختلاق حجة لرحيل هاجر..ستنفجر أمها باكية اذا علمت بأمر الجواب....
تخرج الجواب من الدرج مرة اخرى و هى تنظر بتقزز الى الخط الردئ و الحروف المعوجة و الأخطاء الإملائية و تدسه فى جيبها..تحضر العشاء و تذهب الى غرفة الأم بالصنية و تغلق الباب بقدمها من خلفها.





اهداء الى جدتى الله يرحمها

الخميس، 18 أغسطس، 2011

Lovestruck

بدأت تقتنع تماماً انها بالفعل مريضة .
بلا شك , الفراغ الداخلى يزيد من احساسها بالبرد فتفكر قبل النوم فى شرب رشفتين من البنزين مع عود ثقاب مشتعل ,لا لشئ سوى التدفئة و ايقاد نارا تضئ بين جوانحها الصماء المتجمدة الشديدة الثقل .
يرن هاتفها تحت الوسادة فترتجف..أصبحت المكلمات الهاتفية تخيفها..كذلك جرس باب الشفة و شخللة المفاتيح و تلك الرنة المزعجة التى يصدرها الميكرويف فور انتهائه من تسخين الطعام..و باتت الأصوات البشرية مزعجة بشكل لا يُحتمل حيث النداء و الأوامر و البكاء و الضحك..كل شئ سواء .
تفكر فى تغيير هذا اللحن الشجى الذى يؤلمها كلما رن الهاتف فلا تستطيع..اعتادت ان تسمع موسيقى " يا نسيم الريح " و آهات مارسيل خليفة عند اتصال أحدهم .
لم ترد لأن ذلك يطلب الكثير من الكلام و الضحك و الأصوات التى لم نعد تحب ان تصدرها او تسمعها .
هى فقط تريد سماع الأغنية على الرغم من العواقب المتوقعة.

"يا نسيم الريح قولى للرشا         لم يزدنى الوٍرد الا عطشا لى حبيب حبه وسط الحشا         ان يشا يمشى على خدى مشى"

نعم كان لديها استعداد تام ان تترك له خدها ليمشى عليه ان اشتهى ذلك..لماذا لم يخبرها ان الأغنية من كلمات الحلاج أم تراه لم يعرف..لو كانت فى وقت سابق لاتصلت به فوراً لتخبره..
أخذت تردد رقم هاتفه الذى حفظته عن ظهر قلب و هى تشعر بالقشعريرة .

" أقول لما طار عنى الكرى قول معنى قلبه هائم يا نائماً أيقظنى حبه هب لى رقاداً أيها النائم ! "

تكاد تجزم أنه نائم الآن..لا يكترث البتة بما أشعله فى صدرها من لوعة و افكار مزدحمة متلاحقة كنبضات قلب فتاة قبلها حبيبها قبلة خاطفة على خدها الأيسر.

" أهواك و لى قلب بغرامك يلتهب   تدنيه فيقترب تقصيه فيغترب
فى الظلمة يكتئب و يهدهده التعب    فيذوب و ينسكب كالدمع من المقل "

حتى فيروز أصبحت تتآمر عليها معظم الوقت..لم يعد أمامها الا سعد الصغير الذى لم يكشف سرها بعد غالباً !
فيروز أجمل منك كثيراً..فمع العلم أنها تواجه مثيلاتى من المتيمات الباكيات يومياً فى الليل الا انها لم تسأم بعد..

أطفئت الآي بود فور انتهاء الأغنية و هى لا تدرى ما يمكن قوله أو فعله فى هذا الوقت...ربما القليل من الشعر يساعدها على الاسترخاء بعض الشىء

" يا من يعز علينا أن نفارقهم     وجداننا كل شئ بعدكم عدم  إذا ترحلت عن قوم و قد قدروا   ألا تفارقهم فالراحلون هم "
أعطته الكثير ليتمسك به و لم يفعل بل قطع كل ما يربط بينهما بدقة جراح محترف مع سبق الإصرار..لا بأس , هى تدرك تماماً أن الراحل هو.
ترى بوضوح الآن أن حالتها أصبحت كلاسيكية من الدرجة الأولى..فتكتب رسالة " عليك اللعنة ! " و قبل أن ترسلها اليه فعلا , تغلق الهاتف نهائياً و تبكى حتى النوم .

السبت، 30 يوليو، 2011

Élodie

تسير فى وهن..جسد ثقيل غريب عنها..تتذكر و هى تجر ساقيها جراً كم كانت رشيقة , خفيفة و ناعمة .
تحمل حقيبتها الجلدية بداخلها القليل من الكتب التى تقرؤها فى المواصلات..كتب من النوع الخفيف الوقع مثل Agatha christie مترجمة إلى الفرنسية و بعض كتب  Maurice Leblanc و بعض الاوراق الخاصة بها و جواز السفر و بعض العملات المصرية و أخرى أجنبية قليلة القيمة.
الشمس حارقة و لم تعد بشرتها تتحمل أكثر..تقفز فى أذنيها بعض الثرثرة القريبة تحت مظلة واحدة ينهمر فوقها المطر الباريسى و هو يضع يده على كتفها فى رقة و خطواته تدب دبة ثابتة خافتة على الأرض المبللة .
عليها ان تحمل نفسها على السير ابعد..لا مفر لا نقود..ستوفر كل ما تبقى لها من نقود لتعود إلى فرنسا فى أقرب وقت..لا تصدق أنها الآن هنا و أنها اختارت أن تترك بلدها و أهلها و أصدقاءها من أجله بكامل إرادتها .
أصبحت تدرك بشكل أوضح أنها غبية و أنها أدركت ذلك فى وقت لا يجوز فيه الندم..عندما يختار المرء و يكافح من أجل ما لم يكن مقدراً له من الأساس تكون خيبة الأمل .
تفكر فى خلع حذائها الذى يعوق مشيها بشكل أسرع و لكنها تعدل عن تلك فكرة فى محاولة بائسة للحفاظ على ماء الوجه .
تمقت المصريين..كل ما هو مصرى أصبح يثير الحنق و السخط .
تحاول تذكر تفاصيل أكثر عن قصة حبها الوحيدة..ذلك اليوم الذى التقت به لأول مرة...
لقاء عادى..أقل من العادى فى حديقة منزل صوفى و زوجها الذى عرفها قائلا " je vous presente Dr. Mohamed..un cher ami " فينظر اليها بعينين صافيتين للتحية فتمد يدها مبتسمة " Elodie " .
لم تعرف وقتها ان محمد سيكون حياتها الجديدة..كانت تحسب نفسها مدللة و لكنها لم تكن كذلك..ما قبل محمد لا داعى من حسابه فهو بلا قيمة .
أصبح الجميع يعرفون أن لا وجود ل ايلودى بغير محمد.
تشتاق الى ابيها كثيرا و تحلم بحضن دافئ يعطيها بعض الطاقة , أبيها الذى كان يحب محمد كثيرا لغرامه بكل ما هو مصرى...ابيها الذى رفض زواجهما رفضا قاطعاَ...و فاتت سنة و لم يتحدث إليها .
" انتِ تعرفين تماماً اننا لا نستطيع الاستمرار سوياً..لا تجعلى الموضوع أصعب..aides moi..aides moi s'il te plait "
كيف سمحت لنفسها بهذا الهوان..كيف افلتت لجام دموعها و جعلتها تنسكب أمامه هكذا فى رجاء و هو يتخلى عنها و يسحب يديه التى يسندها بها بعنف فتقع و يسيل الدم من أنفها.
تخرج من جيب الjupe منديلا و تمسح أنفها الملطخ بالدماء..اللعنة على الحرارة .
تستسلم , تعد ما تحمله من نقود و تنتظر الحافلة .
فى وقت كهذا..من المستبعد ان تجد كرسيا واحدا للجلوس..تقف فى المنتصف و هى تتفادى نظرات البعض إلى ال jupe و إلى عينيها الزرقاوين و ذيل الحصان الأشقر الذى يصل إلى وسط ظهرها .
تكتشف انها لم تعد تتمكن من التعامل مع المصريين..مصريين بلا قلب بعيون وقحة غير تلك التى اعتادت ان تنظر اليها و هى تسير مع محمد.
مصر ماتت فى نظرها..لم يعد لها مكان هنا..حتى الحافلة لم يعد بها مكان لها..حتى الشارع لم يعد فيه مكان لها.
اصبح من الصعب التماسك الآن فتترك اللجام لدموعها لتنهمر فى صمت مرة أخرى .
تمتد يد الى كتفها فتنتفض و فى سرعة , تنظر الى الخلف.
امرأة فى الأربعين من عمرها ترتدى شيئا رماديا بلا معالم , وجهها باهت بلا مساحيق فقط الكثير من الكحل الغليظ فى العينين , تتزحزح قليلا و تلتصق بالشباك مشيرة لها بيدها الجافة المتعبة الى مساحة ضئيلة بجانبها..فجلست و هى تنظر الى المرأة فى دهشة...
لا مصر لم تمت و المصريون يدركون الجمال الحقيقى كما يقول والدها دائما..لم تدرك وقتها ما حدث تماما و لكنها استندت على صدر الغريبة القريبة منها و بكت..بكاء ممتنا..بكاء لم تندم عليه .
توقفت الحافلة و نزلت ايلودى.
ايلودى مغسولة نظيفة مشحونة...
دخلت شقتها الصغيرة جدا و هى تتأملها فتدرك انها شقة جميلة و رائحتها حلوة..تضع جواز السفر فى علبة مجوهراتها و تضع العلبة فى الدولاب كما كانت و تخلد الى نوم طيب فى سرير يريحها .

الأربعاء، 27 يوليو، 2011

القليل

مشكلتك..نعم أعرفها تماما..
أنت تريد..تريد الكثير..الكثير من الافكار تشغل عقلك المتعب من التفكير و لا وقت للتنفيذ.
ربما يكون معك حق و إن كنت لا أتفق معك.
أخبرنى انت اذن..ماذا يفعل من لديه الكثير من الوقت و القليل..القليل جدا من الأفكار..القليل جدا من اللأفكار الصالحة , القابلة للتنفيذ .
أنت محق..الانتحار ليس حلا..انا أجبن من ذلك بكل الأحوال .
ماذا تفعل عندما تشعر انك لن تستطيع ان تكمل حياتك هكذا و انك اجبن من ان تنهيها بيديك ؟
لا عليك..سأكون بخير .
أتعرف..ربما اكون بحاجة الى قليل من الراحة فقط..نعم القليل..و لكنى أنام كثيرا..أنام عشرين ساعة كحد أدنى !
انتظر..انا لست مكتئبة..
أنا فقط اريد ان اتكلم معك..قليلا..
ألازلت تسمعنى؟
هل تشعر بالنعاس؟
أستطيع ان اؤجل كلامى معك الى الغد..كما ترى , لدى الكثير من الوقت لاطلعك على ما اريد.
لا لا لم تحبطنى..على الاطلاق..و أنا لن انتحر كذلك..اطمئن لازلت جبانة كما أنا دائما.
هلا مررت غدا حتى نكمل حديثنا..ان امكن ؟!