السبت، 13 ديسمبر، 2014

حمام

     
أستاذ حمام, بهيئته الرثة, بدلة مهترئة لا أذكره إلا بها يبرز من تحتها جاكيت صوف ملون يحمى قلبه من الصدأ وطربوش قديم يحاول الحول بين رأسه والبلاوى اللى نازلة ترف عليها, يدرك أن المصايب تبحث عنه بكل اشتياق مثل العاشق المهرى ما يدور على حبيبته وأنه كدة حظه كدة. لا أستطيع أن أمنع نفسى من حثه على دخول قصر بنت السلطان,
ينظر إلى فيلا مراد باشا بذهول ويقارن نفسه ببلاط المدخل ليجد أنه أكثر منه هنداما, فيمسح حذائه فى بنطاله فى يأس وبتقدم. لا أعرف إن كنت قد دفعت به إلى تهلكة أم إلى جنينة تتجول فيها ليلى هانم ناشرة عطرها الذى لفح عقله و تسرب من بين أزرار الجاكيت إلى قلبه المتعب الثقيل. أتنفس الصعداء وأنا أراه حليق الذقن, مفرود الشعر, تبرز بدلته الجديدة الأنيقة لمعان عينيه زهوا بأنفاسه الحرة التى أخيرا استطاع استنشاقها دون خوف أو حساب ما تبقى من قروش فى جيبه المثقوب. ألاحظ يد ليلى ترتاح على كتفه فى رقة وهى تغنى, تعدل له الكرافات وتمتد بخفة لتنتشل ما يشوب نقاء قلبه فيخرج وردة من الفاظة ويدخلها فى عروة الجاكيت وهو يبتسم, لأول مرة بلا خوف مما ينتظره بعد قليل من سوء حظ. يستمع إلى ليلى تغنى وتقول إن الدنيا غنوة نغمتها حلوة فلا يستهزأ ولا يغيظه التشبيه فيندهش من نفسه ومن إيمانه الجديد بأن الدنيا جميلة, فأفتح له النافذة.
"بيفوت على العين ويصحيها من عز النوم, ويفوت على الروح ويطير بيها"
فيترك أستاذ حمام كتاب روميو و جوليت من يده و يترك روحه لتطير فيجد نفسه أسفل شرفتها, يتحدث إليها وقد جرى الكلام على لسانه وأمده شعاع القمر بالجرأة.
"هتركب؟"
فيجيب اركب, بعد هددته وقد وجد هو تهديدها جميلا محمودا وإن لم يستطع منع نفسه من الاحساس بمصيبة جياله.
حذًرته من الاستمرار فى هذا الطريق, أخربته أن التراجع والاكتفاء بهذا القدر من لطف القدر خير له فلم يستمع إلىّ و سلم طربوشه اللى معندوش غيره على باب الملهى الليلى منقادا وراء ليلى التى تركته لتحضن حبيبها. يجلس أنور وصديقته ليلى على طاولة, يمسك يدها بكلتا يديه وتنظر هى بوله إلى عينيه المبتسمتين بينما يظل أستاذ حمام فى مكانه, يقف بلا حراك أمامهما يسمع غير مصدق كلمات لم يظن أنها قد تخرج من بين شفتيها إلا إلى أذنيه.
أراقبه فى حزن وهو يدافع عنها وهو يستعين بالطيار الذى استوقفه فى الشارع لينقذها من أنور بتاع اللى قبلها واللى قبل اللى قبلها ويهرب منه ليقع فى قبضة يوسف وهبى الذى ينظر إليه من طربوشه العجوز إلى حذائه الذى تبدل لونه فيدير وجهه متحدثا إلى بنت الباشا. ألاحظ انطفاء لمعة عينيه وهو يرد على كلام يوسف بيه وهو يشرح ويستفيض ويفترض أنه مثلا مثلا يحب ليلى هانم من صميم الوجدان وأن هى مع الأسف الشديد تحب شخص آخر فتلقى فى وجهه ردا قاسيا قائلة "وأنا كنت عميت؟".
"ضحيت هنايا فداه وهاعيش على ذكراه"
تنهمر دموعه فأربت على كتفه وأنا أفكر فيما يمكن أن يخفف عن العاشق السىء الحظ.
"أبيع روحى فدا روحى"
أمسكه من يده وأخرج به من جو المسرح القاتم إلى الهواء الطلق لتلحق به ليلى. يركبان مع الطيار وحيد زوجها المستقبلى, يعوج طربوشه فى هدوء ويبتسم لى و يهز رأسه فيما يشبه الرضا.


الثلاثاء، 15 يوليو، 2014

سراج منير بين العالم الموازى و العالم الموازى له

                                                                  فى عالم مواز

تقف "عقيلة راتب" أم عبد الحليم فى ساحة المحكمة صارخة أن هذا كذب و افتراء و أن ابنها برىء و لم يصدم المجنى عليه بسيارة و لا شأن له بأى باذنجان, فتتعالى الهمسات و ترتفع طرديا معها خبطات المطرقة الخشبية و مطالبة القاضى بالهدوء. تطلب أم عبد الحليم استجواب زوجها سراج منير معللة أنه لن يستطيع الكذب إذا حلف اليمين.
تراه واقفا واليأس قد تملكه قائلا "والله العظيم أقول الحق" و يقوله فعلا فيخرج عبد الحليم البرىء من ظلمات السجن حالما بالعودة إلى فتاة العوامة ذات الديل حصان و الغمازات, ويحل محله أحمد رمزى الشاب المستهتر الذى يزهق الأرواح بطيشه و سرعة سيارته المهولة.




                                                         فى عالم مواز للعالم الموازى


يقف سراج منير و على وجهه أمارات الجد و الشدة فى ساحة المحكمة,

-قول والله العظيم أقول الحق
والله العظيم أقول الحق!
-ابنك اللى خبط المجنى عليه بالعربية؟
لأ
-أمال مين؟
عبد الحليم هو اللى عمل كدة.
-و عرفت منين؟
هو اللى اعترف -ابن الهبلة(فى سره)- يبقى هو اللى عمل كدة.
-مش جايز يكون أحمد رمزى؟
أنا ابنى كان فى البيت وقت الحادثة, صلينا العشا و نمنا ع الطول و تانى يوم سمعنا الخبر المشئوم.

يعود سراج منير إلى جانب زوجته عقيلة راتب التى ما زالت تنظر إليه فى صدمة و عينيها ممتلئتين بالدموع.
يصدر الحكم بإدانة عبد الحليم و براءة أحمد رمزى و يصطحب الأب ابنه فى رضا إلى البيت بعد أن طلق أم عبد الحليم -بناء على رغبتها الشخصية- لاستحالة تخليها عن ابنها المظلوم.
تلملم عقيلة راتب أشياءها و تسرع إلى بيت محمود المليجى باكية, تمضى بضع ساعات ينجح فيها المليجى فى تهدئة زوجته السابقة و يأتى بكوبين من الشاى الساخن المظبوط لزوم التفكير و المخمخة, و بمجرد أن بدآ نقاشهما, عادت الأم إلى سابق بكائها و كأن ساعات لم تمر. تضيق الأرض بما رحبت على محمود المليجى بسبب نواح عقيلة و ولولتها على شباب ابنها الذى ذهب مع الريح, فيذهب إلى القهوة, يدخن حجرا, يشرب ينسونا, لعله يجد حلا للولد. و مع ثانى رشفة من المشروب, يلمح رجلا قد رآه من قبل, تغيم الصورة فى عقله و يفنط ذكرياته القريبة ليجد الرجل نفسه مرتديا بدلة صيفى مشابهة لما يرتديها الآن فى المحكمة صباح اليوم, لا هو قاض و لا محام و لكنه يعمل هناك و قد يكون ذا نفع.
فى عجلة يقترب منه و يجر كرسيا و يجلس إلى يمينه, يتعجب الرجل ذو البدلة الصيفى ثم تنير لمبة فوق رأسه "عرفتك  إنت أبو عبد الحليم!" فيبستم المليجى فى أمل لا يخلو من خبث و يبدأ بالحديث و يستمر فيه 4 ساعات كاملة.




                                                      عالم موازى كمان و كمان

تدخل البدلة الصيفى لساحة المحكمة, يوشوش الرجل القاضى و يشير للأخير له أن "طيب طيب". ينادى على الشاهد سراج منير فيتقدم فى خطا ثابتة.
نجد كرسيا مريحا على يمينه رجل بنظارات طبية رفيعة و على اليسار جهاز ضخم يشبه ما نراه فى أفلام الجاسوسية و مسلسلات صالح مرسى يبدو من أسلاكه التعقيد ,و عند إشارة القاضى, يبدأ الرجل ذو النظارة بتوصيل بعض من هذه الأسلاك المذكورة آنفا و لف أطرافها حول أصابع سراج المكتنزة و يومىء لرئيس المحكمة أن "تمام". يسأله " أستاذ سراج, جاهز لجهاز كشف الكذب؟"
فيراجع سراج أفكاره التى تدرب عليها طول الأسبوع مذكرا نفسه أن الحقيقة هى ما نصدق أنها الحقيقة و الكذب ليس كذبا إذا آمنا أنه الحق و لا شىء غيره و يقول " جاهز يا فندم".

الخميس، 23 يناير، 2014

ريكشا

أهم ما يميز الهند, بالنسبة لى على الأقل, هو الريكشا. ذلك الجسم المعدنى الصغير المتشبه بالخنفساء, يبدو كدراجة نارية بثلاث عجلات, مغلق السقف مفتوح الجوانب, تشعر أنه سيقذف بك خارج أحشائه فى لحظة انطلاقه. نسميه هنا "توكتوك", وقد كنت مقتنعة تماما أنه يبدو "توكتوكا" بالفعل, بحجمه الضئيل و تحركه الظريف متمايلا فى خفة بين السيارات. لكنه فى الهند "ريكشا" و سوف تقتنع أنه "ريكشا" بشكل كاف فور رؤيتك له.
هو وسيلة التنقل الرئيسية فى شوارع الهند. مرخص و يحمل نمرا و له زى رسمى كذلك فالريكشا جميعا شكل واحد و لون واحد, فى الواقع هما لونان: أخضر فى أصفر.
فى مدينة كبيرة متحضرة كمومباى, تجد سيارات الأجرة ذات الأحجام المتفاوتة و الموديلات المختلفة, لكنك إن امضيت وقتا طويلا فى الهند - مثلى- ستعرف دهاليز مومباى و خفاياها وسوف تعرف أنها ليست متحضرة بالكامل. عشوائيات الهند لا تستقيم أحوالها دون ريكشا فتجده يجوب الشوارع الفقيرة و القذرة فى حركات مستهترة سريعة و غير مدروسة مثل مجموعة صراصير تهرب من البايروسول.
أما الحال فى أنحاء أخرى من الهند فمختلفة.هنا فى مدينة سورات الخضراء الصغيرة حيث أعيش الآن, لا تجد التاكسى, فقط ريكشا فى كل مكان. و بما أنه الوسيلة الرسمية للموصلات هنا, فهو مجهز بعدّاد يفترض أن تدفع على أساس قرائته ثمن التوصيلة, و لكن المفترض ليس بالضرورة ما يحدث فى الواقع أغلب الوقت, فنحن نعامل معاملة السياح, استغلالنا واجب قومى, فلا تجد للعداد عملا فى وجودنا, و اذا طالبنا بتشغيله أنزلنا سائق الريكشا و تركنا نضرب رأسنا فى أقرب حائط و لا يقف الأمر عند هذا, بل يذهب ليتآمر مع زملائه. لم نستسلم من الوهلة الأولى لكنهم يتبعون خطة شريرة و يرفضون رفضا جماعيا باصطحابنا دون أن ندفع ما حددوه من الروبية فنذعن لإرادتهم متأففين مهزومين مطلقين اللعنات و الشتائم بأكثر من سبع لغات.
تأكيدا لإيمانى الدائم بأن البشر أخوة و أننا جميعا ينبغى أن نتعامل على أننا سكان كوكب الأرض كلنا, فقد كان سائق الريكشا لا يختلف كثيرا عن سائق التوكتوك. فمنذ ركوبنا, قرر السائق تقديم التحية لمحو شجاراتنا حول الأجرة و العدّاد. لمسة خفيفة على ما اكتشفنا أنه كاسيت لتندلع منه أصواتا هندية رفيعة جدا, مزعجة و مسلية مثل المهرجانات, ولم تمضى بضع ثوان حتى اندمج مع الكلمات الحكيمة للمهرجان الهندى و أخذ صوته يعلو و يعلو و هو يتحرك يمينا و يسارا بالريكشا. وبينما لم يستسغ الجمع الأجنبى حركات السائق المرحة, كنت أنا سعيدة بحق و أدركت سبب عدم شعورى بالحنين المتوقع قبل السفر.
إبان رحلتى التى استمرت ما يقرب الشهرين, لم يؤثر فى حياتى اليومية كما أثر سائقو الريكشا الهنود, منهم اللعين و منهم الحكيم و منهم قليل الأدب الذى يستحق التهذيب و منهم من يعرض المساعدة مهما كلفه الأمر..ربما فى وقت لاحق, سيظهر كاتب لطيف ليقص حكاياته معهم مثلما فعل خالد الحسينى فى "تاكسى".
أول مرة أركب فيها الريكشا كانت فى اليوم الثالث من وصولى سورات. أخذنى بادى و جنيفر صديقاى الصينيان إلى المكتب لألتقى بباقى الزملاء.
يقع المكتب فى مكان اسمه "عمرة" أو كما كُتب على البطاقة "Umra Garden". منذ وصلت الهند حتى غادرتها لم استطع أبدا حفظ الطريق إلى المدعو "Office", لا أعرف أننا اقتربنا منه إلا عند رؤية ذلك الميدان الصغير المكسى بالحشائش و الورود الصغيرة.
شارع المكتب هو شارع جانبى لطيف حيث تستقر بيوت هادئة ذات سيارات فى الجراج و حديقة صغيرة و شجرات.
المكتب عبارة عن طابق واحد, أصل إلى بابه بعد بضع درجات أطلعهم فى نشاط, أخلع حذائى على الباب كما هى عادة الهنود و أدخل لأفاجىء -أخيرا- بمطبخ المنظمة : "المكتب".

الجمعة، 6 ديسمبر، 2013

الطريق الى سورات

بدأت رحلتى فى القطار هادئة ساكتة لا يقطعها الا صوت القطار و همهمات البعض و شخير البعض الآخر. حقيقة, كان الجميع متعاونا..كلما سألت عن الوقت أخبرونى و كلما جعت اطعمونى. مر "الراجل بتاع التذاكر" كما اطلق عليه, لكنه فى الهند يرتدى بدلة و يضع تلك النقطة الحمراء بين حاجبيه..تلك النقطة التى سأفهم فيما بعد أنهم يطلقون عليها "بيندى" و انهم يعتقدون انها تجلب الحظ و تبعد الشياطين و لها بعض الدلالات الدينية كذلك.
يتفقد الرجل جواز سفرى و تذكرتى و يسألنى عن المحطة التى سأنزل فيها فأخبره أنى ذاهبة الى "سورات"..فظهرت على وجهه آثار الشفقة و أخبرنى بانجليزية رديئة أنه ما زال أمامى 5 ساعات.
خشي النوم.
خشيت أن أفوت المحطة و أضيع سابع أكبر بلد العالم.
خفت كذلك من سرقة حقيبتى و بها نقودى, جواز سفرى, كتبى, ملابسى و كل ما أملك.لكنى رغما عنى نمت حتى ايقظنى جامع التذاكر مناديا "سورات".
نزلت بصعوبة من القطار بسبب ضخامة حقيبة السفر..كان الجو حارا, الناس كثيرة و غريبة..اتصلت بمن -يفترض أنه- سيأتى لاصطحابى من المحطة. لم يرد. سألت عن بوابة الخروج فأشارت سيدة ترتدى سارى نبيذى اللون الى أطول سلم رأيته فى حياتى.
"What the hell ?! " كانت كل ما استطعت التفكير فيه فى اللحظة. حملى لحقيبتى و طلوعى هذا السلم اللعين بها هو درب من دروب المستحيل بلا أدنى مبالغة..اتصلت ثانية بمن سأعرف ان اسمه Umang فلم يجب..اتصلت بشخص آخر فأخبرنى أن المذكور آت فى الطريق و أن انتظره خارج المحطة ليرانى.
نظرت الى الحقيبة و أنا العن اليوم الذى خرجت فيه من دارى.
"اتحناجين مساعدة ؟ "
التفت لأجد شابا لا يتعدى سنه العشرين..يكرر السؤال بما يشبه الانجليزية فأهز رأسى أن نعم و أضيف "please ".
يحمل الحقيبة برشاقة لتستقر على رأسه و يتجه الى السلم اللانهائى, يطلعه فى سرعة و أنا أصارع الزحام لألحق به.
و أخيرا, أنا خارج المحطة..أنا فعليا فى المدعوة "سورات".
لم أجد فى الشارع الا التكاتك (جمع توكتوك) و قد أطلفوا عليها لفظ "ريكشا" و لونوها بالأصفر و الأخضر.
انتظرت عشر دقائق رفضت خلالهم العديد من الريكشا التى توقفت لاصطحابى و مساعدات الهنود اللطيفة فى توجيهى حرصا منهم على ألا اتوه او انتظر طويلا.
و أخيرا أتى اومانج بعد طول انتظار..أتى لاصطحابى بتاكسى فحمدت ربنا فى ارتياح.
لم يكن حامل الحقيبة قد رحل بعد فحملها ثانية ليحشرها حشرا بمساعدة اومانج و السائق فى مؤخرة التاكسى, ثم تمتم بالهندية ما معناه انه يريد 200 rupees نظير حمله للحقيبة.
ركبت التاكسى و أنا أشعر أننى بدأت التجربة الحقيقة الآن و قد تعجبت من شعورى بالاطمئنان المفاجىء.
كان السائق مرحا لكنه لا يتحدث الانجليزية, غنى العديد من الأغانى الهندية و شغل الراديو.
فى الطريق تابعت التكاتك و النساء الجميلات و العجائز المهترئات ذوات السارى المشجر..رأيت الفتيات و هى تقود الموتوسيكلات و شعرها يتطاير من خلفها..و لم يلفت كل ذلك انتباهى قدر البقر الذى يمشى ملكا فى كل الشوارع كبيرها و صغيرها, يعترض طريق السيارات و الريكشا و الناس و يتفاداه الجميع و يغيرون مساراتهم ليكمل طريقه الذى لا تستطيع توقعه.
وصلنا الى مكان جميل و راقى..حيث كل عمارة تشابه الأخرى و كل واحدة منها لها حديقة لطيفة و مدخل جميل و جراج فسيح و طاقم حراسة مهذب.
المصعد يستقبلك بموسيقى هادئة والدور الواحد مكون من شقتين واسعتين..بيتنا هو احدى شقتى الدور الرابع.
يقودنى اومانج للداخل مرحبا..أدخل لأجد مراتب مصفوفة على الأرض..بعضها فارغ و الآخر بها أشخاص نائمون.
يشير الى غرفة على اليمين و يقول هنا غرفتك, يفتح الباب و يشير الى مرتبة أرجوانية و يضيف "هذا سريرك".
كان بالغرفة أربعة سرر بالاضافة الى سريرى أو من أجل الدقة مرتبات بالاضافة الى مرتبتى.
لم أندهش كثيرا..ربما بسب حكايات كريم عن حياته فى مومباى خلال الأسبوع الماضى.
لم أدرى تحديدا ما يتوجب علىّ فعله..أسأظل وحيدة هنا؟ هل أخرج و القى التحية على الموجودين ؟ هل أبدل ثياب السفر؟..ماذا أفعل ؟!
و لم تطل تساؤلاتى فقد أتت فتاة ترتدى بيجاما كحلية اللون و تربط شعرها بشريطة برتقالية و قالت أنها بريفان من تركيا و أنها ترحب بى و من أنا و ما المشروع الذى سأعمل به ؟
فأخبرتها انى مى من مصر و أننى سأعمل بمشروع Conserve للبيئة و لم تمهلنى أكثر من ذلك و عرضت علىّ الذهاب معهم (بريفان و فتاتين احداهما من تركيا أيضا و الثانية من فيتنام) الى ماكدونلدز و لكنى كنت متعبة بحق فرفضت آسفة و أخبرتها أنى سأنام قليلا.
و لم أنم قليلا, بل نمت كثيرا, كثيرا جدا. استيقظت و قد شعرت بغرابة وجودى على هذه المرتبة و قد وضعت عليها ملائتى و غطائى الذى أحضرته معى. لم يكن هناك أحد بالغرفة و لم أدرى ما يتوجب علىّ فعله للمرة الثانية..أخرج؟ أنتظر؟ أكمل نومى؟!
جلست فى الظلام اتسائل عما سأفعل حتى قطعت فتاة شديدة النحافة ذات قرط أسفل شفتها حل أفكارى..تفاجأت برؤيتى و رحبت بى بحرارة و هى تقول أنها ملينا من صربيا و أنها لم تعرف أننى قادمة و ان كنت أحب أن العب "أفلام" !
خرجت لأجد عدد كبير من الشباب فى الشقة يأكلون و يتحدثون و ينامون و يتفدون الفيسبوك..بعضهم أتى للترحيب معرفا نفسه و البعض اكتفى بالقاء تحية سريعة او ابتسامة عابرة.
جلسنا على الأرض (فلم يكن هناك مقاعد ولا ارائك) و بدأنا فى اللعب. ضحكنا كثيرا و قد ذاب الثلج بينى و بينهم.
فى الثالثة صباحا انتهينا من اللعب و المزاح و قلنا "Good night " و قد كانت كذلك فعلا.

السبت، 12 أكتوبر، 2013

بداية القصيدة

كان الوداع سريعا..لم أدرك ان كان ذلك مناسبا لغياب سيدوم شهر و نصف.
احتضنت والدى و أختى وحبست دموعى بقدرة لم أتوقعها و دخلت المطار وحدى حاملة حقيبة على ظهرى, على ذراعىّ حقيبتا اللابتوب و الكاميرا, جارة من خلفى أكبر حقيبة تم تصميمها على الاطلاق فى تاريخ حقائب السفر.
جرت الأمور فى المطار سريعا..تلقيت مكالمات رقيقة موّدعة و مكالمة مطولة اطلقت فيها العنان لاحاسيسى المضطربة المتضاربة تجاه هذه الرحلة ثم انطلقت للصالة و منها الى الطائرة.
فى شبابى, هذه أول تجاربى فى الطيران..تجلس بجانبى فتاة خليجية كثيرة الكلام..فكرت كثيرا فى ادعاء المرض و الأزمات القلبية أو أن أسير ببساطة الى الباب و ارجع.
انتهى الأمر..انطلقنا و لم يعد هناك مجال للرجوع و أصبح علىّ التأقلم..تذكرت ما قرأت عن دعوة المسافر فدعوت.استمعت الى فيروز و الى حديث الفتاة بجوارى بلا تركيز.
مرت الساعات الأربعة بسلاسة لا بأس بها و وصلت الى أبو ظبى حيث علىّ قضاء ساعتين.
ظللت أبحث عن "صالة 41"..مشيت وراء العلامات..فوق تحت يمين شمال..لم أصل! وجدت أحد رجال الأمن, رجلا ذا ملامح آسيوية و شعر ناعم, سألته محاولة الابتسام عن مكان الصالة مخبرة اياه كل المعلومات التى قد يحتاج معرفتها..ابستم ببلاهة و هو يأخذ التذكرة من يدي و قال مشيرا الى الأعلى :"Downstairs ma'am" !
أدركت أن علىّ الاعتماد على الله و نفسى فقط فى البحث عن القاعة اللعينة. وجدتها بعد ساعة و نصف من البحث و الركض و اللف و الدوران..جلست و أنا أكره أبو ظبى و الهند و العالم.
تفقدت هاتفى وجدت العديد من الرسائل من شركة المحمول التى ترحب بى فى دولة الامارات العربية ملحقة بأرقام خدمة العملة. فى اللحظة ذاتها اتصلت أمى:

" ها يا ميوى بقيتى فين ؟
-........
مى ؟!
-......."

لم استطع الرد و لا الكلام..بكيت كثيرا بعد سماع صوت ماما..انتهيت من البكاء و عاودت الاتصال..تحدثت الى اهلى حتى بدأ القطيع فى التحرك نحو الحافلة التى ستقلنا للطائرة فذهبت.

الجزء الثانى من رحلة وصولى..الطريق من أبو ظبى الى مومباى..كانت الرحلة هادئة و كنت جائعة فأكلت بنهم حتى ابتسم الجالس جوارى..شاهدت " العتبة الخضرا" و أنا اشرب الشوكولا الساخنة.
وصلنا الى مطار مومباى فى حوالى الثالثة فجرا..الجو شديد المطر و المطار..غريب!
اختلفت اشكال الناس و لغتهم و أصبحت وحيدة تماما..انهيت اجراءاتى فى صعوبة و ذهبت لاستلام الحقيبة فوجدتها ممزقة..محضر فاعتذار فكلام بلا طائل الا شعورى بالاختناق.

خرجت من المطار بعد عناء دام ساعة و نصف..كان الجميع قد غادر و لم أجد وجها أعرفه..تمطر بلا توقف فلا أكاد أرى.
أما زال كريم فى انتظارى ؟ تراه شعر بالملل و ذهب ؟
انظر بتركيز فأجده !
اعتذر كثيرا عن التأخير و نتبادل الأحاديث و يخبرنى عن تعلقه بمومباى , فقد جاء الى هند قبلى بأسبوع كامل و هو مقيم بمومباى..أما أنا فذاهبة الى سورات..مدينة صغيرة على بعد 5 ساعات بالقطار من مومباى.
ذهبنا الى رحلة قصيرة حول مومباى..انتابتنى صدمة من قذارة المترو و الشوارع و كمية الرجال التى تقضى حاجتها فى الطريق..
فى 10 دقائق وجدت نفسى فى مكان أوروبى الطابع..حيث الأشجار الخضراء المصفوفة و المبانى الانجليزية الطراز و الفنادق الفخيمة التى لا أجرؤ أن أمد فيها قدما و كما تغيرت المبانى و تغير الناس فرأيت النساء الجميلات بملابسهن غير التقليدية و سياراتهن الفارهة و الرجال ذوى العطور الفخمة و السجائر الغالية و الملابس الsigné .
وصلت الى محطة القطار بعد معاناة دامت ربع ساعة حاول كريم شرح "محطة القطار "
محركا قبضته المضمومة من أعلى لأسفل و هو يصفر مقلدا صوت القطار لسائق التاكسى الذى لا يعرف حرفا من الانجليزية. أوصلنى حتى مقعدى..مقعد مريح فى الدرجة الاولى من ما يسمى Sleeper Class حيث تحل الأسّرة محل الكراسى و ينام الجميع.
ودعت كريم و أنا أشكره و ان كنت لا استطيع شكره كفاية..لولا مساعدته و كفاحه مع حقائبى المهولة الحجم لما وصلت و لجلست أبكى على الرصيف فى مومباى لنهاية الرحلة.

الثلاثاء، 8 أكتوبر، 2013

-1

لا أدرى كيف واتتنى الجرأة.  فتحت باب الغرفة دون استئذان على غير عادتى..كانت أمى جالسة على السرير تقرأ قرآن الفجر.
" أنا خلاص مش عايزة أسافر! "
نظرت الىّ مبتسمة فى سخرية ثم حولت نظرها للمصحف.
"ماما...
-..صدق الله  العظيم..ها ؟
مش عايزة أسافر خلاص
خلاص ماتسافريش! "

ذهلت..شعرت بغصة و سكتت. جلست و سألت فى أسى:

"و الفيزا و تذكرة الطيران؟ دة السفر بكرة!
-انتِ اصلا عايدة علينا بخسارة من زمان يا مى."

ابتسمت فى شجن و أسلمت نفسى للبكاء..ما المشكلة؟ لقد رغبت فى هذا التبادل الثقافى منذ سنين..و لكن الهند! لقد اردت السفر لاوروبا..و المدة 45 يوم ! يغلبنى الحنين للقاهرة و منزلى و الشوارع و الجيران عندما اكون فى الاسكندرية لخمس أيام..ماذا سأفعل فى 45 يوم فى الهند وحدى ؟!
كيف أقضى رمضان بعيدا عن عائلتى؟ فى الهند نسبة من المسلمين و لكنى واثقة أنى سأفتقد روح الشهر و سكونه..رمضان القاهرة لا مثيل له !

حقائبى معدة و مغلقة بالأقفال..الملابس التى سأرتديها نظيفة مكوية و موضوعة بعناية على كرسى المكتب المقابل لفراشى..جواز السفر و النقود فى حقيبة اليد و قلم و نوتة صغيرة كتبت فيها أرقام هواتف اثنين من الهنود من المفترض أن اقابلهم و أرقام مصرية مهمة و رقم السفارة المصرية فى الهند تحسبا.

"ماما أنا مسافرة"

لم ترد علىّ. أعطتنى حضنا و قبلة و شربنا آخر رشفات من الماء قبل آذان الفجر..اقترح أبى أن أفطر فمازال أمامى على الأقل 10 ساعات حتى أصل الى الهند لم أقبل و لم أمانع..فقط سأنتظر و أرى ان احتملت الصيام.
لم ننم. سهرنا أبى و أمى و أختى و أنا نجتر الذكريات.. لم يكن ذلك حكيما بكل الأحوال..بكينا جميعا و أدركنا أنه باقى من الزمن ساعات قليلة و أكون فى مطار القاهرة قاصدة بلاد ظننت أنها تركب الأفيال.

الثلاثاء، 16 أبريل، 2013

أرق


انها الخامسة الا ثلاثة عشر دقيقة..الظلام يعم حجرتى و الملل يسكن نفسى..
فى الفراش أنا منذ الثانية بعد منتصف الليل, أطفأت الأنوار , قبلت أختى النائمة فى السرير المجاور على جبينها فجزت بلا وعى على أسنانها و أدارت وجهها للحائط..اتخذت وضعا ما على جانبى الأيسر و لكنى أحسست أن رقبتى مرفوعة أكثر مما يجب, تخلصت من وسادة و اكتفيت بالأخرى, لم أجد مكانا أضع فيه الوسادة الزائدة عن حاجتى فأنمتها بجوارى.
لا يعد سريرى كبيرا بل انه عكس ذلك تماما فلم يدخل داخل الى غرفتى حتى يعلق على أحجام السريرين و يزول اندهاشه-او يزداد- عندما اخبره ان هذا السرير لم يتغير منذ ولدت. فى الواقع انا احب سريرى جدا و لم أفكر يوما فى تغييره..اى نعم فى الليالى الصيفية أجد نفسى مدلدلة الأطراف و كأننى شجرة من أشجار الزمالك القديمة و أحيانا لا اجد مكانا ليدى اليمنى التى أحشرها حشرا بين بطنى و المرتبة او ادفسها تحت المخدة و مؤخرا لكى اتفادى هذه الورطة أنام على بطنى و اضع يداي كليهما تحت الوسادة و غالبا ما تصحبهما رأسى, ما يدهشنى هو اصرارى الدائم على ان تنام وسادتى جوارى على الرغم من عدم وجود مكان كافى ليدى..عندما تذكر الوسائد تذهب الأيادى للجحيم.
لم أعانى من قبل من الأرق..لا ليس "من قبل"..ما أقصده أننى لست مؤرقة بطبعى و لم يكن النوم يشكل لى أى مشكلة على مدار أيام حياتى كلها, كنت بمجرد أن أستشعر النوم أستسلم..لم أقاومه سوى مرات قليلة نادرة..فى الحقيقة أنا أعشق النوم, لم أجد أى نشاط انسانى ممتع أكثر من النوم..النوم نشاط انسانى بالفعل, عمل مهم و حيوي فى حياة بنى آدم جميعا و أعتقد انه لا يأخذ حقه فى التقدير و الاحتفال. لم اتعامل مع النوم من قبل على انه شىء لابد منه او انه مجرد احتياج انسانى القليل منه كافى مثلما تعتبره أمى..أنا أنام من أجل النوم, كم من أحداث و حفلات و مناسبات لم أشارك فيها لأننى نائمة. النوم هو الصفاء التام هو حالة الفراغ الكامل التى تكافئ بها نفسك على تحملك للناس و تفاصيلهم المزعجة و أيامك المتشابهة و عملك الذى لا ينتهى و حياتك التعيسة.
انها الخامسة و الربع مستيقظة مازلت..أفكر فى النوم و لا أخطر بباله..كيف و لماذا ؟ كنت دائما صديقة وفية افضله على العالمين و مع ذلك تخلى عنى و تركنى اتكأ مرة على يمينى و مرة على شمالى و مرة اجلس فى السرير نصف جلسة فى انتظار هجومه المحبب الى نفسى..لكنه لا يأتى.
فى هذه الأحوال غالبا ما الجأ للقراءة..قاتلة الملل الأولى مع مرتبة الشرف..ضغطت زر المصباح المعلق فوق سريرى فلم يضئ , كررت فلم, نزعت الفيشة كلها و أوصلتها بالكهرباء مجددا فلم أرى نورا..فى هذه اللحظة وصلت الرسالة, أدركت انه يوم سئ و الغد أسوأ..مصباحى العزيز-حتى هو-تخلى عنى..لا نوم لا قراءة لا نور.
أغمضت عيني رغما عنى و كأننى أعاقبنى..صخب و ضوضاء فى رأسى لا يخمد..و لم لا؟ فلأفكر اذن..التفكير هو ثانى قاتل للملل..أجد نفسى عالقة فى محاضرة الهيستولوجى فأقرر أن أفصل الفيشة و أختار لنفسى موضوعا أجمل من الهيستولوجى..أسرح فى أفكارى بالساعات و لا أمل, أفرح كثيرا اذا توصلت لفكرة مفيدة ثم تقع آمالى أرضا و أنا أنظر لمن حولى...
فيم أفكر؟ لا أدرى, ليس هناك ما يلفت انتباهى الآن..ليس هناك سوى النوم للأسف.
سأنام..رغم أنف النوم سأنام..دفنت رأسى تحت الوسادة, قلبت الغطاء على ظهره حتى أحصل على الجانب الأبرد منه و أغمضت عينى و فى لحظة تبددت كل محاولاتى -التى كادت تنجح- برنين معدنى سخيف..انها السادسة موعد استيقاظى الكئيب.
تمنيت لو أمسكت بالموبايل و أغلقت عليه قبضتى بعنف فينهار و يتساقط قطعا قطعا و لكنى اكتفيت بأن اخرسه و أقوم.