الجمعة، 31 أغسطس 2012

ياسين

 طفل صغير ذو شعر ذهبى و عينين خضراوين , ممسكا بيده كلها فرشاة , يغمسها بتأنى فى اللون الأزرق و يرسم..هذه أول مرة أرى فيها ياسين .
لم يكن صاخبا كغيره من صغار الحضانة , لكنه لم يكن هادئا كذلك.
قيل لى أن جدته هى من اصطحبته الى الحضانة أول يوم..لم أكن قد جئت الى الحضانة للعمل بعد , كان ذلك اثناء العام الدراسى و كطالبة فى كلية الحقوق لم يكن لدى متسع من الوقت لغير الدراسة..و مع ذلك فعندما عملت فى الحضانة و قابلت جدة ياسين طلبت منى رقم هاتفى لتطمئن عليه.
أطلبها على رقمها الذى اعطتنى اياه , فلا ترد..امسح بيدى على رأس الصغير و أجلس بجواره فى الفصل الضيق الملئ باللعب و الخالى من الأطفال و ابتسم و اقول له كذبا ان جدته فى الطريق و سوف تأتى بعد قليل لاصطحابه .
ياسين لدهشتى لم يكن يبكى , لا ادرى اذا كان يشعر بالغربة ..
كان يحكى لى باستفاضة عن جوربه المخطط الذى اختاره بنفسه ليليق مع قميصه المخطط..و استطرد راويا عن الجيلى الذى تصنعه جدته و ان جيلى الحضانة  يشبه مرطب البشرة الخاص بجدته .
ربع ساعة تمر و يظهر رجل لا استطيع ان احدد سنه بالضبط و لكنه بين الأربعين و الخامسة و الأربعين , اقترب مبتسما فأسرع ياسين اليه صائحا..لا هو أكبر من الخامسة و الأربعين و لكنه بلا شك أصغر من ان يكون قد تعدى السابعة و الأربعين..مدت يدى و سلمت عليه.
ليس صحيحا ما قالته لى دادة ثرية اذن , ياسين ليس وسيما لأن امه أجنبية فحسب..ربما فقط أخذ منها لون الشعر و لكنى أرى بوضوح انه أخذ عينين أبيه الخضراوين.
تعجبت من قدوم والد ياسين كثيرا..كل ما أعرفه عن هذا الرجل أنه يعمل فى أمريكا و انه لا يأتى لا قليلا فى بعض الاجازات , يزور ابنه و امه و يبيت ليليتين او ثلاثة و يعود الى عمله بالخارج.
بالفعل بعد هذه الواقعة بيومين بكى ياسين طوال اليوم فى الحضانة لأنه كان يريد أن يرسم له لوحة صغيرة ياخذها معه الى أمريكا , هدأت الصغير و اعطيته الايس كريم و اخبرته اننى سأساعده فى الغد ليرسم لوحة جميلة يعطيها لوالده حين يعود و أظن انه عاد ليبتسم بعد ذلك .
كان لدى فضول كبير عن أم ياسين التى لا تظهر و لا تسأل و لا يتحدث عنها ابنها ابدا..ربما تكون متوفية و ربما يكون والد ياسين قد طلقها و ما زال بينهما خلاف و ربما تعمل كثيرا فلا تجد للصغير وقتا..لا ادرى.
أسأل دادة ثرية بشكل عابر فى اليوم التالى " انما مامة ياسين عمرها ما جت خادته ليه ؟ "
تقص على ثرية القصة كما تعرفها :
أم ياسين امرأة أمريكية و تعرف عليها الباشمهندس هناك , فهو يعمل هناك منذ وقت طويل..تزوجها و انجبا ياسين , طفل جميل ذكى و  خفيف الظل ...لا أدرى ماذا حدث بالضبط او اى خلاف نشب بينهما و لكنها تركتهما و غادرت امريكا كلها..يقولون انها تعرفت على شاب بلجيكى وسيم و احبته و هربت معه ...لم يستطع الباشمهندس ترك عمله فى امريكا و لم يستطع الاعتناء به و خوفا من ان ينشأ نشأة غير سوية تركه هنا لجدته تربيه و ترعاه و أصر على دخوله الحضانة ليتعلم العربية اسرع و يعتاد وجوده بين اطفال اخرين فى مثل سنه...
و لم استمع الى باقى الحديث..اصابنى صداع نصفى و اخذت اذن و عدت الى المنزل.
نظرت الى امى و هى تتحدث هاتفيا مع خالتى و لم استطع ان اتخيلها تتركنا فى المنزل بلا طعام حتى تعود من مشوار تقضيه و بالتالى  عجز عقلى عن استيعاب ام ياسين التى تركت طفلها فى هذه السن الصغيرة جدا فى بلد ما و سافرت مع شخص اخر لبلد اخر و لم تعد..لا تسأل عنه و لا تعرف عنه شيئا !
لم استطع النوم و لم استطع القراءة او مشاهدة التلفاز..لا افعل شيئا الا و يفصلنى عنها وجه ياسين.
اهتممت كثيرا بان تكون لوحة ياسين رائعة و علمته كيف يرسم بيتا جميلا و كيف يلونه دون الخروج عن الخط . كان شديد الفرح يعد على اصابعه العشرة الأيام المتبقية لزيارة والده.
أتى اليوم الموعود و لم يظهر الأب و لم يتصل..ثلاثة أيام لاحقة و أخبرتنى دادة ثرية ان الباشمهندس مات , مات قبل ان يرى البيت الذى رسمه ابنه و لونه من اجله.
اختفى ياسين بعد ذلك و لم اره ,اتصلت بجدته عدة مرات و كان الهاتف مغلقا و لكنى حتى الان ادعو لها بطول العمر .
انتهى الصيف و عدت الى كليتى و لكنى ما زلت اذكر ياسين..اتمنى أن يكون بخير.

الأربعاء، 11 يوليو 2012

بلا قافية

لم تتعجب اطلاقاً من اتصاله فى هذا الوقت المبكر , بل كانت تنتظره , تنتظره طويلاً.
أجابت على هاتفها الجوال محاولة ألا تبدو نبرة صوتها سعيدة أكثر مما ينبغى و لكنها وجدت أنها أصبحت مملة و ذات وقع كئيب , فعادت الى نبرتها الراقصة المعتادة .
أجابت على هاتفها الجوال , هى التى تحرص دائما على أن يبقى هاتفها فى وضع "offline " حتى لا تضطر الى الرد و ان اضطرت الى ابقاء الاتصال متاحا فهى تلجأ الى وضعية " silent " حفاظا على مبادأها.
بحيوية و نشاط غير معهودين ,تنهض من سريرها و كأنما هو فراش من نمل و تتجه بنفس مفتوحة للحياة الى دولاب الملابس..شئ من الأزرق و شئ من الأبيض و حذائها الرياضى..تتناسى أمر الافطار برغم شهيتها المفتوحة دائما - حزينة كانت او سعيدة - و تسرع نحو الشارع .
لم تكتشف جمال ان تكون من سكان وسط البلد الا مؤخرا , من 8 شهور تحديدا..تتذكر يوم رأته أول مرة , و يوم التقط لها صورة و هى غير منتبهة..تستعيد كلماته فى ذلك المساء عندما قال لها أنها جميلة كالقصيدة و تتمتم " أنت لى بأهمية القافية للقصيدة " و تبتسم.
سائرة بخطواتها الواسعة و نظراتها المتأملة  للوجوه و السيارات و الفيترينات المحيطة , وصلت الى ذلك المقهى المتفق عليه , مكان قديم طراز يليق به تماما.
وجدته هناك فى انتظارها..توقفت و ابتسمت..ابتسمت جدا..ثم استأنفت السير ناحية الطاولة .
يأتى النادل..نفس النادل الذى عرفهما باسمه و مع ذلك لا تذكره..طلبا فنجالين من القهوة المضبوطة .
" -جبتى المعلوم ؟ "
تخرج من حقيبتها الواسعة علبة صغيرة حمراء أنيقة و بين شفتيها ابتسامة بالغت فى رسمها..يلتقط العلبة فى عناية و يفتحهها , يتفرج على الخاتم دون أن يخرجه من مكانه حرصا , و يصدر صافرة اعجاب فتشعر بالانتصار .
يبتسم لها شاكرا و فى عينيه امتنان شديد , فتتكلف الذوق و تقول مجاملة " المهم تعجبها " فيرد المجاملة بأخرى " طالما عجبتك هتعجبها " .
أعجبتها هذه العبارة كثيرا..
ساد بعض الصمت مصاحبا للنادل المذكور آنفا حاملا قهوتهما المضبوطة .
لم تجد ما تقول و لم يجد ما يقول..
برغم كل الترتيب و التحضير الذى أرهقت به نفسها الليلة الماضية و المواضيع التى كانت تنتوى التحدث معه فيها..طار الكلام و فرغ كما هو حال زجاجة مزيل طلاء الأظافر المفتوحة .
هرب من ذلك الصمت بدس أنفه فا فنجاله حتى انتهى منه و أخذ يفكر فى مظهره اذا تركها الآن و مضى فأخذ يقول لنفسه " لا..لا يصح , لقد طلبت منها ان تشترى لحبيبتى أنا هدية تليق بها فلا يجوز أبدا أن ارحل بهذه السرعة و كأننى استغلها و لا أحترم ما ضحت به من وقت من أجلى "
فى حين كانت تفكر هى فى ردة فعل فتاته حين تتلقى هديتها و نظرة الحب الطفولية المميزة التى ستتقافز فى عينيه و هو يرى ذلك الدلال الأنثوى فى عينيها .
تفكر فيما يمكن قوله الآن..أتحكى له كيف تذكرها (صباح و مسا ) به و أنها اشترت اطارا لطيفا للصورة التى التقطها لها و اطارا اخر لتضع به صورته ؟
هل تحكى له أنها تقرأ رسائله من نوعية " ان شاء الله " , " يا بنتى ردى على أم الموبايل بقى " , " لازم تشوفى الفيلم... " مئات المرات و تبتسم مطولا ؟ هل تخبره بأنها امتنعت عن أكل الموز لأنه يتسبب له بالحساسية دعما له.؟ هل..؟ هل...؟ هل...؟
-" سرحتى فى ايه ؟ كدة هنتأخر..انا لازم اقوم معلش "
تتيقظ من غفلتها و تتصنع الابتسام " ok :)"
-كان نفسى اقعد معاكى أكتر بجد..انتى قايمة و لا هتقعدى شوية ؟
- انا جعانة
-يبقى بالهنا و الشفا مقدما .
- :)
-سلام .
أأكلت كثيرا ,ذهبت الى المرحاض , غسلت يديها و سكبت ما لم تستطع كبته من الدموع , غسلت وجهها بالماء البارد , انتظرت حتى تختفى حمرة عينيها و أنفها و خرجت , دفعت ما عليها من نقود , شكرت النادل و انصرفت .

الأحد، 15 يناير 2012

يوم حلو

ابدأ يومك بكوباية شاى بلبن سخنة مولعة أو عصير بيور بالبرتقال و الجزر..حضر الشنطة قبل ما تنام و حط فيها أى حاجة تحس أنها ممكن تنفعك فى يوم زى دة..يوم قررت انه هايكون حلو .
اتمشي الصبح بدرى و شم الهوا..مختلف فعلا عن الهوا المشموم قبل كدة بتاع بعد الظهر..عد الشجر و انت ماشي و اتفرج على الزلط الصغير اللى فى الأرض..اتعود تبص على كل حاجة مرتين و ركز فى الألوان و الملامح و العينين و اليُفط .
ابعت رسالة لطيفة لحد و خليك سبب ابتسامته البلهاء طول اليوم , و لما تقابل حد مكشر ابتسم فى وشه و متستناش منه رد ابتسامة..خالص يعنى !
اتفرج على العيال و هم رايحين المدرسة باليونيفورم و افتكر أيام ما كنت قصير كدة زيهم و اندهش على قد ما تقدر .
كلم "...." اللى كان بياكل سندويتشاتك فى المدرسة و قوله انك تخنت قوى عن زمان و انك نفسك تبطل أكل التنانين دة و انه بجد وحشك .
ممكن ترتاح على قهوة بس قبل ما تطلب سحلب افتكر انك هتأجل السحلب ليوم تانى يكون برد أكتر من كدة و اطلب كوباية شاى ( لو بتحب الشاى ) .
اركب المترو و فكر فى القصة الجاية اللى نفسك تكتبها أو المشروع المطلوب منك فى الشغل أو هدية عيد ميلاد مامتك.
لاعب الأطفال بحواجبك و مناخيرك و لو لقيتهم جريوا على أمهاتهم اعرف انهم عيال نكد و ان انت لسة برضو دمك خفيف.
راقب حركة التُوَك الصغيرة اللى فى شعر البنات اللى عندهم بالكتير تلات سنين و أمهاتهم سحباهم بسرعة لأن الشنط و الأكياس فعلا تقيلة و ابتسم .
صللى كل فرض فى جامع و فكر بتأنى فى دعوة حلوة و لما تحصل -حتى لو بعد سنين- افتكر تبص للسما بامتنان .
دوّر لسانك فى بوءك مرتين بس , مش سبعة زى ما الفرنساويين بيقولوا..مرة واحدة هتخليك تغلط كتير و سبع مرات هتخليك تسكت خالص .
احتفظ بتذاكر الأفلام اللى دخلتها و أثرت فيك و افتح كتب مدرستك القديمة و افتكر الأيام دى و لو ملقتهاش متربة , ممكن تشمها , و تفتكر حاجات كنت فاكر انك عمرك ما هتفتكرها .
اشرب مية كتير و افتكر ان مش كل حاجة لازم يبقى ليها طعم و ريحة و لون عشان يبقى ليها أثر فى حياتك .
صوّر كتير و ارسم كتير و اكتب كتير و الطع حاجتك فى كل حتة فى اوضتك .
حاول لما تسمع " حبوا بعضن " ما تزعلش و اسمع بعدها " ايه فيه أمل " .
ما تسمحش بسهولة ان حد يعكنن عليك..او حتى اقنع نفسك انك مش زعلان أوى يعنى ( والله احيانا بتنفع )
بكل الأحوال , حاول تخلّى اليوم دة مميز عشان لما تحتاجه تفتكره..و أكيد هتحتاجه .

الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

جملة اعتراضية

لم تكن تتوقع أنها ستواجه مشاكل لا يستطيع النسكافيه الخالى من اللبن حلها..أو على الأقل يساعدها على التفكير.
لم تعد الشوكولا و الورق الخريفى الأصفر المحمر يسعدها و لا باتت أيادى الأطفال حديثى الولادة تدهشها..كانت تهتم بشم الورد الملون و تذوق المربات المنزلية التى تصنعها أمها و تحرص على اظهار الاعجاب دائما بما تصنعه..فما من مرة نسيت فيها أن تكتب نوت صغير على البرطمان الزجاجى " confiture du paradis " لكنها الآن لا تهتم .
بقى شئ واحد فقط من سلوكها المعتاد القديم..تلك الأسئلة الغبية التى لا يجيبها أحد عليها و لا يكترث أحد بأن يبحث معها عن اجابات منطقية أو غير منطقية و لا حتى يحاول أحد منعها من السؤال .. أسئلة من نوعية لماذا الماء مبلل مثلا..فى الواقع اهتم شخص واحد بالاجابة عن هذا السؤال و بعدها لم يعد يجيب أو يسأل.أو يظهر ,  لكنها لا تخشى أن تقسم أنها ما زالت تسمع صوته يناديها و انها حين تفرك يديها بقوة معا تشم رائحته النفاذة التى تبعث على القشعريرة .
أخذت الأنوار مع الوقت تبدو أوضح مما تحتمل عيناها فأصبحت تخاف الرؤية و قررت أن تغمض عينيها تماما حتى لا تتأذى..حاليا هى لا ترى شيئا بالفعل..كل شئ متشابه  بطريقة مزعجة .
فى المساء لم تعد تحرص على شرب القهوة مع أبيها..ليس فقط لأنه لم يعد موجودا و لكنها فقط أصبحت تعانى من بعض مشاكل النوم الذى لم تظن أبدا أنه قد يشكل لها أى مشكلة .
أصبحت تغنى بصوت عالى و ترقص فى المنزل و تأكل كثيرا و لا تدرى لذلك سببا واضحا..تقول خالتى الصغيرة ان المبالغة فى تناول الطعام ما هى الا اعراض اكتئاب و لكنها تحب الطعام فلم الفزلكة اذن ؟!
ازدادت وزنا..كان يضايقها هذا كثيرا لكنه مع الوقت أصبح حجة غير مقنعة لعدم ذهابها لحفلات الخطوبة و الأفراح التى لا تنتهى..لن تذهب بدونه بكل الأحوال..كان من المفترض أن يكونا هما أصحاب الفرح الأول و بمنطقها بما انه لم يكن هناك فرح اول اذن فلا معنى لوجود فرح ثانى .
فقط السقف..ذلك الفراغ الغبى الذى يتسع لمعظم الهراء الذى يملأها..تشكو اليه..تبكى له..تغنى له..تبتسم له ..و أحيانا تقذفه بغيظ بأى شئ قريب فينزل على رأسها فتتخيل السقف ماداً لسانه فى شماتة لا تحتملها فتخرج سيجارة و تدخنها...لو علمت أمها بأمر السجائر للطمتها..ربما لذلك أصبحت تتناسى عمداً رش معطر الجو .
قررت أن تبعث برسالة قصيرة لمحمد..الشخص الوحيد الذى لا تشعر انه ينتمى اليهم كأرضيين..ستخبره أنها تريد فستانا مثل ذلك الذى لبسته فاتن حمامة على البحر فى فيلم لا أنام..هذا الأبيض الممتلئ بخطوط و نقاط حمراء..سيحرص على أن يتحدث اليها و لن ترد على الهاتف لأنها تشعر أنها لا تستطيع ان تضحك الآن .
تقرر قرارا أصعب من ناحية التنفيذ..النوم .
اتخذت وضعا مريحا فى سريرها المريح ..تركت المصباح الصغير مضاء حيث أن الظلمة لم تعد تبعث على السكينة هذه الأيام فما هى الا محفز قوى لافراز سيل من الأفكار السخيفة.. و الآن أصبح كل شئ معد لسيل من البكاء الخافت الذى يساعدها على تخطى فكرة حياتها التى أصبحت تمثل لها المعنى الحقيقى لتلك الكلمة التى لم تفهمها أبدا من قبل " اللاشئ "..تقر داخليا ان وجودها ما هو الا جملة اعتراضية فى زحام من الجمل المهملة داخل كتاب محبوك القصة ..و تنام .

الأحد، 2 أكتوبر 2011

تلك الفتاة

لم تعد تعنيها النظرات المتطلعة فى استغراب إلى تلك الفتاة التى لا تحسن صنع ضفيرة لنفسها فيتدلى ذيل حصانها غير المشدود من الشباك و هى تبتسم ملئ فمها , كاشفة عن أسنان تعرف انها ليست الاجمل- و لكنها تؤمن تماما ان الابتسامة مهما بدت بلهاء فهى جميلة - ملاعبةً طفل صغير ذا أقدام حافية لا تعرف سوى ان اسمه على و انه ابن بواب العمارة المقابلة لعمارتها .
تجرى الى الثلاجة فى حماس لتجلب له قطعة من الشوكولا التى تأكلها فى شراهة و التى تعتبرها سبب أساسى فى ملئ جسدها البض و الذى لا يضايقها إطلاقاً..يأخذها مبتسماً فتشعر بالنجاح و الراحة و تذهب لتبدأ يومها..يومها الذى يعتمد بشكل أساسى على تجاهل نظرات الكثيرين..نظرات السيدات اللاتى يتعجبن من سيرها مرفوعة الرأس ناظرة إلى كل ما حولها من محلات زهور و سلات قمامة و رجال عجائز يقرأون فى الجرائد و امرأة شقراء أجنبية اعتادت المشى صباحا فى شوارع وسط البلد..نظرات رجال لم يعتادوا رؤية احداهن تركب العجلة و تقف فجأة لتلعب مع فتاة صغيرة قابلتها فى الطريق.
تتعمد أن تقترب من أبواب المقاهى الصغيرة حيث أنها تحب رائحة البن و القهوة على الرغم من عدم شربها لهذه المشروبات..مشروبات " الكبار " او هكذا تعتقد .
تضع سماعاتها فى أذنيها لتقول لفيروز " صباح الخير " لكن سرعان ما تفرغ البطارية..دائما ما تنسى أن الأجهزة تحتاج إلى شحن كهربائى و أنه لا يمكن أن تعطيها بعض الشوكولا حتى تعمل , فتصالح نفسها غير عابئة و تبدأ فى تكملة الأغنية بصوت خافت و هى تطلع الى المحلات المصفوفة فى طريقها .
تصل الى كليتها قبل الميعاد على غير العادة فتجلس قليلا مع " أم سعيد " و تكتشف أن لها أربعة أبناء و بنت غير سعيد و على الرغم من ذلك لا يظهر عليها علامات التقدم فى السن و لم تترهل بطنها بعد هذه الولادات الكثيرة المتلاحقة..الضئيلات جسماً هن الكثيرات حظاً إذن.
يبدأ اليوم و ينتهى فى ملل تتخلله بعض الأحداث اللطيفة مثل رؤية آدم زميلها الذى ربما لا يعلم بوجودها و لكنه أطول من ألا تلاحظه و سندويتش الكبدة الاسكندرانى الذى أكلته مع صديقتها بعد المحاضرة .
فى طريق العودة تتوقف مرة لشرب عصير مانجة و مرة لتدخل محل فارغة اليد فتخرج حاملة كيس.
فى بداية الشارع تلمح ابن البواب فتخرج من جيبها قطعة شوكولا صغيرة و تقدمها له فيبتسم لها ابتسامته المحببة إلى قلبها , تنزل على ركبتيها و هى تخرج من الكيس حذاء صغير فينظر على اليه فى رهبة ثم يتجرأ و يمسكه و يشكرهها فى فرح فتقدم له خدها فيقبلها قبلة خاطفة و يجرى ليجلس على سلم العمارة ليرتدى حذاءه الجديد.

الأحد، 28 أغسطس 2011

ه ج ر

" ما تبقيش غشيمة امال ! "
فتنظرهاجر فى أسف إليها و متلعثمة تقول " ما هو أصل الغرز صغيرة اوى و الابرة بتفُط من صوابعى يا ابلة ليلى.."
فتعتدل فى فراشها ترفع بعض الشعيرات البيضاء الناعمة من أمام عينها و تقرب الفناة ذات التسع عشرة عاماً منها و هى تمسك بيديها الاثنتين الابرتين و فى بطء مفتعل تريها كيفية عمل الغرزة و ان الكروشيه فن جميل و نتيجته ملموسة و سريعة ثم  تغمز بعينها اليمنى قائلة " و اول حاجة هتعمليها , هاشتريها منك " , فتلمع عين الفتاة و تبتسم .
بينما تنهمك هاجر فى الكروشيه , تدخل الغرفة فتاة عشرينية شديدة بياض البشرة شديدة سواد الشعر و تقبل جبين والدتها و تلقى سلاما عابرا على هاجر..تتحرك فى سرعة , و هى تمد الى العجوز دواء الساعة الخامسة و هى تقول فى حنق " فات ساعة الا ربع على معاد الدوا " و تنظر الى هاجر نظرة أدركت معناها..فتلعثمت مبررة " والله يا آنسة إيمان محسناش بالوقت " ثم تضيف قائلة فى زهو شاهرة قطعة ملونة من القماش لا معالم لها  " شفتى ابلة ليلى علمتنى اعمل دة ".
تمتنع إيمان عن الرد و تلقى بكلمتها المعتادة فى أذن الأم " يا ماما هو احنا بندفعلها عشان نعلمها تريكو؟!..انا لو بارجع بدرى من الشغل كان زمانى باخد بالى من مواعيد الادوية بتاعتك "
فترد عليها جهرا غير عابئة " ملكيش دعوة بهاجر..و دة مش تريكو دة كروشيه.. "
تلف لسانها فى فمها سبع مرات حتى لا تتفوه بما يغضب امها و تشير فى هدوء الى هاجر " قومى اغسلى المواعين و رَوّحى "
فتفز واقفة و تسأل " احضرلك تاكلى ؟ "
فتنهى النقاش بحسمها المعروف " اغسلى المواعين و رَوّحى..بس "
تقترب إيمان و تنظر لامها فى حنو و هى تحاول ان تقنعها انها جلبت هاجر لتخدمهما لا لتزيد من همومها و مسئولياتها فتدافع عندا ليلى فى اشفاق معللة ان البنت يتيمة و انها ستساعدها لانها تستحق و ان المرتب و ان كان كافياً فانه لن يكفيها عمراً..ففتاة غير متعلمة مثل هاجر تحتاج الى صنعة تعتمد عليها فيما بعد اذا تبدلت الظروف .
فتنظر الي تجاعيد وجهها و عينيها المختفيتين خلف نظارة قديمة الطراز و هى تتنهد و تدعو دعوات صادقة داخلياً بأن يعطي الله والدتها الصحة و العافية و لا يغير قلبها الطيب هذا أبدا.

" هاجر "
فتشير الفتاة الى الهاء و هى تقول " مش دى اللى قلتى انها شبه الفيونكة ؟! "
فتبتسم السيدة العجوز " فيونكة فى نص الكلام..فى الأول بتتكتب كدة.." و أمسكت يد الفتاة الحاملة القلم الرصاص و هى تعدل من امساكها بالقلم " يللا اكتبيها 5 مرات "
تدخل إيمان مستفسرة عن سر التصفيق الذى سمعته فتضحك الأم معللة " هاجر دلوقتى بقت تقدر تفك الخط و تكتب كمان "
فتبتسم ابتسامة موهنة و تهم بالخروج لولا ان نادتها الأم تطلب منها قهوة الساعة السابعة و عصير طازج لهاجر حتى تستعيد نشاطها..فتدرك انها الان فى خدمة أمها و خادمة أمها و لكنها تعود بالقهوة و العصير..فقط لأنها لم تر أمها فى هذه الفرحة العارمة منذ فترة بعيدة.

" انا لازم امشى...ماتزعاليش مينى "
تلقى إيمان بالجواب فى الدرج و تلقى بنفسها على الكرسى و هى تسند رأسها إلى المكتب..مئات الأفكار و الخواطر و الأحاسيس الساخطة تسيطر عليها...يجب ان تعطى الجواب لأمها حتى لا تظن انها طردتها..كما سترى انها أصبحت تستطيع أن تُكوّن جملا قصيرة صادمة..ربما ليست صحيحة تماما ولكنها تفى بالغرض...أم أن عليها اختلاق حجة لرحيل هاجر..ستنفجر أمها باكية اذا علمت بأمر الجواب....
تخرج الجواب من الدرج مرة اخرى و هى تنظر بتقزز الى الخط الردئ و الحروف المعوجة و الأخطاء الإملائية و تدسه فى جيبها..تحضر العشاء و تذهب الى غرفة الأم بالصنية و تغلق الباب بقدمها من خلفها.





اهداء الى جدتى الله يرحمها

الخميس، 18 أغسطس 2011

Lovestruck

بدأت تقتنع تماماً انها بالفعل مريضة .
بلا شك , الفراغ الداخلى يزيد من احساسها بالبرد فتفكر قبل النوم فى شرب رشفتين من البنزين مع عود ثقاب مشتعل ,لا لشئ سوى التدفئة و ايقاد نارا تضئ بين جوانحها الصماء المتجمدة الشديدة الثقل .
يرن هاتفها تحت الوسادة فترتجف..أصبحت المكلمات الهاتفية تخيفها..كذلك جرس باب الشفة و شخللة المفاتيح و تلك الرنة المزعجة التى يصدرها الميكرويف فور انتهائه من تسخين الطعام..و باتت الأصوات البشرية مزعجة بشكل لا يُحتمل حيث النداء و الأوامر و البكاء و الضحك..كل شئ سواء .
تفكر فى تغيير هذا اللحن الشجى الذى يؤلمها كلما رن الهاتف فلا تستطيع..اعتادت ان تسمع موسيقى " يا نسيم الريح " و آهات مارسيل خليفة عند اتصال أحدهم .
لم ترد لأن ذلك يطلب الكثير من الكلام و الضحك و الأصوات التى لم نعد تحب ان تصدرها او تسمعها .
هى فقط تريد سماع الأغنية على الرغم من العواقب المتوقعة.

"يا نسيم الريح قولى للرشا         لم يزدنى الوٍرد الا عطشا لى حبيب حبه وسط الحشا         ان يشا يمشى على خدى مشى"

نعم كان لديها استعداد تام ان تترك له خدها ليمشى عليه ان اشتهى ذلك..لماذا لم يخبرها ان الأغنية من كلمات الحلاج أم تراه لم يعرف..لو كانت فى وقت سابق لاتصلت به فوراً لتخبره..
أخذت تردد رقم هاتفه الذى حفظته عن ظهر قلب و هى تشعر بالقشعريرة .

" أقول لما طار عنى الكرى قول معنى قلبه هائم يا نائماً أيقظنى حبه هب لى رقاداً أيها النائم ! "

تكاد تجزم أنه نائم الآن..لا يكترث البتة بما أشعله فى صدرها من لوعة و افكار مزدحمة متلاحقة كنبضات قلب فتاة قبلها حبيبها قبلة خاطفة على خدها الأيسر.

" أهواك و لى قلب بغرامك يلتهب   تدنيه فيقترب تقصيه فيغترب
فى الظلمة يكتئب و يهدهده التعب    فيذوب و ينسكب كالدمع من المقل "

حتى فيروز أصبحت تتآمر عليها معظم الوقت..لم يعد أمامها الا سعد الصغير الذى لم يكشف سرها بعد غالباً !
فيروز أجمل منك كثيراً..فمع العلم أنها تواجه مثيلاتى من المتيمات الباكيات يومياً فى الليل الا انها لم تسأم بعد..

أطفئت الآي بود فور انتهاء الأغنية و هى لا تدرى ما يمكن قوله أو فعله فى هذا الوقت...ربما القليل من الشعر يساعدها على الاسترخاء بعض الشىء

" يا من يعز علينا أن نفارقهم     وجداننا كل شئ بعدكم عدم  إذا ترحلت عن قوم و قد قدروا   ألا تفارقهم فالراحلون هم "
أعطته الكثير ليتمسك به و لم يفعل بل قطع كل ما يربط بينهما بدقة جراح محترف مع سبق الإصرار..لا بأس , هى تدرك تماماً أن الراحل هو.
ترى بوضوح الآن أن حالتها أصبحت كلاسيكية من الدرجة الأولى..فتكتب رسالة " عليك اللعنة ! " و قبل أن ترسلها اليه فعلا , تغلق الهاتف نهائياً و تبكى حتى النوم .