الخميس، 21 نوفمبر 2019

دليل السيد/ السيد حامد للبقاء على قيد الحياة

كيف استطاع السيد/السيد حامد البقاء حيا حتى الآن؟

لا علاقة لهذا السؤال الاستنكاري التعجبي بشعره الذي يشبه سحاب اليوم المشمس أو بالبقع الداكنة على يده شديدة البياض والكرمشة. ربما له علاقة غير مباشرة بأنه لا يسمع جيدا, أعني أنه بالفعل قد أخبرني بهذه الحقيقة بعد أن طلبنت منه نزول النفق, والذي - كما هو واضح- لم ننزله.
 ربما ارتباط الحقيقة السابقة بملاحظة لاحقة, وهي أنه أغلب الظن لا يرى كما ينبغي أيضا. كثيرا ما نغمض أعيننا عندما نستشعر الموت قريبا, مثل أن يقفز أحدهم من على الرصيف ليقذف بنفسه في منتصف الطريق أمام السيارة التي تبعد عنك مائة متر, لكننا لسبب خفي نؤمن أننا حين نفتحهم سنجد هذا المار ملعونا أو مشتوما لا قتيلا غارقا في الدماء على الأسفلت. 
مع السيد, المغامرة أشد إثارة, فهو لا يرى تماما, أعتقد أن حاله كحالي قبل الليزك. ينظر إلى الأشياء كفكرة مجردة, يستشعر روح الشارع لكنه لا يراه بالضرورة. مع ذلك يجب القول أنني لم افكر لثانية أن أعمل سائقا لأوبر قبل الليزك.
يتحرك السيد بثقة دليل الصحراء الذي يحفظ منحنيات الجبال وكأنه ولد بها رضيعا, آخذا غرزة هنا ثم أخرى هناك, بينما تفكر أنت وقد التصق خدك في الزجاج في معنى "إنا إلى ربنا لمنقلبون" وإن كان هذا الدعاء حرفيا مناسبا للأحداث.
يذكرني السيد حامد بالطفل في " Baby's day out". منطقيا وبشكل علمي, كان الفيلم لينتهي في أول نصف ساعة عندما يبدأ الطفل محاولاته الانتحارية في الشوارع والمواصلات ومواقع البناء وأكياس الخضار, لكنه دائما ما يخرج من بين الأنقاض حيا مبتسما غائبا تماما عن حقيقة أنه كان سيصبح قطعة من اللحم الميت لولا ملاكه الحارس الذي يرتعش جناحاه من جرعات الكافيين المركزة التي تبقيه يقظا لإنقاذه.
في النهاية, عندما أصل العيادة متأخرا نصف ساعة لأننا لم ننزل النفق, أتمنى ألا يتخلى الملاك الحارس عن السيد السيد حامد, فقط أتمنى أن ينصحه بعملية الليزك.

الخميس، 7 نوفمبر 2019

يوميات الحاج إسماعيل كامل

يستيقظ الحاج إسماعيل كامل كل يوم في السادسة, لم تستطع زوجته المغفور لها الحاجة سميرة تغيير هذه العادة عند طلوعه على المعاش ليبقى الحال على ما هو عليه.
يتحسس الحاج إسماعيل ساعة يده التي يضعها على الكومودينو بجانبه كل صباح مزهوا بدقة ساعته البيولوجية. في بداية كل يوم, يبقى ممدا على ظهره في السرير منتظرا خروج سميرة من الحمام ليدخل هو, لكنه سريعا ما يتذكر فيقرأ الفاتحة ويمسح على وجهه بكفيه. في الشتاء, يربط بإحكام حزام الروب الأزرق الكاروه حول جسده الآخذ في النحول وهو يشعر أن ربما ليلى معها حق حين تنظر إليه في حسرة مشوبة بالغضب قائلة "أنت مابتاكلش خالص يا بابا".
دائما ما ينسى نظارته المربعة ذات الإطار الذهبي ويتسائل في تعجب وقلق حقيقين, لماذا لا يرى الأشياء مع أنها بالقرب الذي يمكنه من لمسها بطرف أنفه إن أراد؟
 يرتدي نظارته في امتنان ويبدأ في لعبته المفضلة, اختبار نظره, قارئا أكثر السطور ضآلة في جرنال اليوم ثم يخلعها ناظرا إليها مصدقا أن "الإنسان عمل كل حاجة".
يمد يده إلى الراديو ويرفع الصوت إلى الحد الذي يؤنسه في المطبخ, وفي الوقت نفسه لا يزعج الدكتور عبد الحميد جاره الذي يقابله كل ثلثاء ليلا للعب الطاولة وهو يفكر كعادته اليومية "يا ترى فين الترانزيستور؟".
يضرب كفا بكف وهو يشم طبق الجبن القريش بالطماطم الذي تعده له أم ريماس وتتركه في الثلاجة بعد أن تنتهي من غسيل المواعين وترتيب الشقة. يجد الحاج إسماعيل أكل أم ريماس يبعث على البؤس لكنها طيبة, وربما تكون هي من أخفت الترانزيستور, فهي ترمي ما يعوق طريقها في أي درج, حتى أنه وجد سيارة سليم الحمراء الصغيرة بين جواربه.
كان هذا الترانزيستور بداية كل ما يفخر به الحاج إسماعيل, فهو يحكي لحفيده المبهور بالاختراعات العلمية والذي كاد يحيل البيت إلى رماد في إحدى تجاربه الفذة قصته مع الراديو. 
بدأ الأمر عندما جلست عمته على الكنبة بجانب الشباك, تخبط بيدها على الراديو لكنه لم يصدرغير ترددات مبهمة لا تلتقطها الأذن البشرية غالبا, فسهر عليه ليلة كاملة حتى صدح صوت الست منه ليلة الخميس أخيرا فما كان من عمته إلا أن دست في يده ما يعادل مصروف شهر كامل مما يدفع أبوه, فأخذ يعرض خدماته على عماته وأخواته وأصحاب والده لإصلاح أي راديو مهما كانت مشكلته حتى صنع إسماعيل بنفسه راديو صغير تستطيع بالفعل سماع أخبار جمال عبد الناصر من خلاله, وهو ما قاده بعد ذلك في وقت لاحق إلى رحلة عمره: منحة لندن, والتي من وقتها أصبحت مقياس الزمن,  فإذا ما حاول تذكر حدثا من أحداث حياته تسائل "دة كان قبل لندن ولا بعدها؟".
منتظرا غليان الماء على النار ليشرب الشاي باللبن, أخرج الإناء الفخاري الصغير وملأه بالأرز وذهب إلى البلكونة, نقر على الزجاج نقرتين قائلا "أنا جيت" ليقبل اليمام ويستقر حول الإناء على أطراف كرسي البلكونة التي لا تطأ قدما سليم الأرض حين يجلس عليه, يراقبهم وهم يدسون منقارهم في الطبق ويحركون رقبتهم بشكل يضحكه ثم كالعادة يشم رائحة الغاز ويتفاجيء -كالعادة أيضا- قائلا بصوت عال وهو يركض نحو المطبخ "يا خبر أبيض, البوتجاز!".

الأربعاء، 9 يناير 2019

السيرة الذاتية لمحلول عدسات لاصقة

لم تتحمس في باديء الأمر لمغادرة مكانها في تلك الصيدلية  رغم أن دكتور هاني كثيرا ما كان يوقعها أرضا وهو يمد يده لتناول عبوة من عبوات محلول العدسات اللاصقة القاطنة بنفس الرف بل أنه أحيانا لا ينتبه إليها وهي تأن من ألم السقطة على الأرض الباردة ويلاحظها فقط عندما يمر إلى الحمام فيصطدم بها بوز حذائه الجلدي فينحني متأففا ليتقطها ويرجعها على الرف. وعلى الرغم من ذلك هي تعرف الكثير عن طيبته من صديقها جهاز الضغط الذي يقبع في الدرج المظلم أسفل الرف الذي تسكن به مع زميلاتها القواربر, فقد حكى لها كيف كان دكتور عيسوي يعامل علب الأدوية حتى أنه قال لها أن في مرة قذف بعلبة أوجمانتين رقيقة بعنف. ربما يبالغ الجهاز في وصف بشاعة دكتور عيسوي فالتجويد في قص الحكاية ليست سمة من سمات الإنسان وحده.
بدأ الأمر برنين جرس التليفون, وهو شيء معتاد في هذه الصيدلية حيث يتصل العملاء المرفهون الكسالى من بني آدم لطلب أتفه الطلبات فيجمعها دكتور هاني -متأففا أيضا- ليضعها أحمد في كيس عليه اسم الصيدلية ويتمختر بموتوسيكله مميز الصوت الذي يشعرك أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة  ليوصلها إليهم ويعود بالنقود وقد أخذ ما فيه النصيب من فكة.
هذه المرة, بينما كانت عبوة العدسات اللاصقة تتثائب في ملل, أمسك دكتور هاني بعنقها بلا اهتمام ليضعها جنبا إلى جنب مع زجاجة شامبو بلاستيكية ملونة. نظر الشامبو إلى المحلول نظرة ذات مغزى قبل أن يضعهما أحمد في الكيس. كانا يعلمان أن أيامهما في هذه الصيدلية قد انتهت.
اختطلت المشاعر بعض الشيء على القارورة وهي تستحضر ذكرياتها مع صديقاتها من القوارير أثناء الصناعة والتعبئة والنقل وقد أصابها الحزن لعدم تمكنها من وداعهن كما ينبغي إلا أن رفقة الشامبو كانت خير عزاء لها.


                                                                             ******

فتحت عيناها لتجد نفسها في غرفة لطيفة, مركونة بجانب كثير من الكراكيب المختلفة من شورتات ملونة, مايوه حريمي رقيق برتقالي اللون  وآخر رجالي كاروهات لم يعجبها, كوتشينة, Ipad, شواحن لا تعرف لأي أجهزة هي, عدسات لاصقة مغطاة في جرابها البلاستيكي, وفستان أخضر قصير جدا لا تسطع تخيل كيف قد تلبسه إنسانة دون أن تظهر مؤخرتها للجماهير.
استلقت على سرير غير بعيد عن الأرض حقيبة سفر مفتوحة على مصرعيها تضع فيها فتاة ذات بيجامة كاروهات -لا تعرف سر حب أهل البيت للكاروهات حقيقة- بعض الأشياء بعناية وترتيب.

-أخدت غيارات كفاية؟
تساءلت الفتاة. لم يرد أحد.
 رفعت صوتها حتى أيقظت الشامبو فزعا وهي تكرر:
-أخدت غيارات كفاية؟ أنا هاقفل الشنطة خلاص.

ثم لاحظت قارورة محلول العدسات اللاصقة والشامبو فأخذتهما ووضعتهما بين فوطتين في منتصف الحقيبة وأغلقتها بإحكام.


                                                                           ******


أخذت القارورة  لحظات, تنظر حولها في تعجب وقلق قبل أن تتذكر رحلتها من الصيدلية إلى..ما هذا المكان؟ أين هي؟ نظرت حولها في هلع حتى همس لها الشامبو في هدوء أن تنظر من الشباك.
كانت تلك أول مرة ترى فيها البحر, لم تعرف غير زرقة أرض المصنع, أما هذا فلا يشبه أي شيء آخر على الإطلاق. هذا سحر خالص.
تمنت كثيرا لو أن صديقاتها كن هنا يشاركنها هذا المشهد, هل رأى دكتور عيسوي البحر؟ ها شاهد هذا المنظر من قبل؟ 
لا تظن. لا يمكن أن يرى إنسان هذه الدرجة من الأزرق ويكون بهذه القسوة. مسكين دكتور عيسوي, ربما هو فقط بحاجة إلى رحلة بحرية.


                                                                         ******


لفترة طويلة, تساءلت القارورة عن سبب وجودها وتصنيعها الذي لم يكن ذا معنى كما صُّور لها, إلى أن رأت البحر. أدركت أن كل شيء يحدث لسبب ما, فقد صُنعت لتنقل إلى تلك الصيدلية فيطلبها هذان اللذان بدورهما اصطحباها معهما إلى ذلك المكان الجميل المطل على أكثر الأشياءإبهارا وأن هذا الرجل يعاملها بلطف شديد, فلا يضغط عليها ولا يرميها بعدم اكتراث بل يضعها في مكانها بعناية بعد أن يتأكد أنه أغلقها كما ينبغي. يا له من جنتلمان.
أخذت القارورة أياما تتحدث في حماس مع صديقها الشامبو في أهمية الإيمان, فإذا آمنت حقيقة وبصدق بأن الآت سيأتي جميلا فسيأتي جميلا وكيف أن كل شيء يحدث لسبب  في وقت معين وهو أفضل وقت. يالصنع الإنسان و و و..إلى أن لاحظت حركة مضطربة وسرعة غير معهودة في حركة الثنائي اللطيف وهما يبرمان في المكان جيئة وذهابا, يلملمان أشياءهما من هنا وهناك, يضعاها بزهق في الحقيبة ويغلقانها, ينظران تحت السرير وفوق الدولاب, تدخل الفتاة إلى الحمام مرتين لتتفقد الوضع بينما يُخرج هو الحقيبة إلى الخارج وتلحق به زوجته.
 يدخل مرة أخيرة, ينظر مطولا إلى القارورة المتروكة على الترابيزة العالية المطلة على الشباك, يقترب منها ثم يبدل رأيه ويتركها كما هي ويغادر مغلقا الباب خلفه بإحكام.



الأربعاء، 26 ديسمبر 2018

The Last Sunday

لا أذكر بالتحديد لكني كنت في المرحلة الإعدادية على الأغلب. أعود من المدرسة لأجلس بالساعات منهمكة في تحميل أغاني جديدة والاستماع إلى المجموعة التي تم تحميلها في الليلة السابقة وأفاجىء نفسي باختيارات عشوائية تصيب تارة وتصدع رأسي تارة. أذكر أنني وقتها تعرفت على Queen و Scorpions وMireille Mathieu وPink Floyd وأندلسيات فيروز وأنني لم أحب David Bowie -آنذاك- ولذللك أنا آسفة.
وفي يوم, قد يكون سبتا رائقا -حيث كان الأحد أجازة وكنت أسهر كما أريد في جو من النظرات المشتعلة والسب المكتوم في حنجرة ماما- وقعت تحت يديّ أغنية لو تذكرتها لما كتبت هذا الذي أكتبه, أغنية لباند لا أعرفه لها كلمات لا أحفظها ولكني أستطيع أن أدندن لك بدقة الجزء المفضل لي والذي كنت أعيد وأزيد فيه حتى يصيبنا جميعا الانهيار العصبي.
قضيت أسبات أخرى أقل بهجة في بحث مستميت عن تلك الأغنية بعد أن مات جهاز الكمبيوتر الضخم آخذا معه ما تيسر وما تعسر من أغاني, ضاما إلى قبره تلك التي لم أجدها أبدا قط. إلى أن بعد أكثر من خمس سنوات, جاء يوم -ربما يكون سبتا كذلك- قررت فيه أن أشاهد "Blanc", أحد أفلام ثلاثية كيشلوفسكي لأجد أن الشخصية الرئيسية تفترش أرض محطة المترو وتعزف على الهارمونيكا لحن الجزء الذي أحبه في الأغنية إياها, فأشعر ذلك الشعور الذي ينتابني حين أرتدي بنطلونا مضبوطا من الوسط والفخذين في نفس الوقت وهو إحساس لو تعلمون غير متكرر حد البكاء.
تعلقت بتلك القشة وأخذت أبحث وأستشير جوجل والمنتديات ومواقع الأفلام في أمل لأجد أن ذلك اللحن المستخدم هو جزء من تانجو بولندي حزين من الثلاثينات اسمه "Ostatnia niedziela" أو "The Last Sunday" بالإنجليزية, ويُحكى أنه عُرف أيضا باسم "Suicide Tango" وقد فهمت سبب ذلك عندما ترجمت كلمات الأغنية الأصلية بالطبع والتي تقص قصة فتاة تترك حبيبها من أجل آخر أكثر ثراء فيتفهم المسكين ذلك لكنه يرجوها ألا تضيع الوقت في الكلام الذي لا فائدة منه وأن تقضي معه اليوم, يوم الأحد, آخر أحد قبل الرحيل قائلا مثلا:


ليس هذا هو الوقت المناسب للبحث عن أعذار
فكل شيء قد انتهى, هذه هي الحقيقة
اليوم, رجل آخر, أكثر ثراء مني, أفضل مني
قد سلبني سعادتي وأنتِ

سأطلب منك طلبا واحدا أخيرا
امنحيني هذا الأحد, الأحد الأخير
وبعدها فليتداعى العالم من حولي

هذا هو الأحد الأخير
اليوم نفترق, للأبد
هذا هو الأحد الأخير
فانظري إليّ
بحب, للمرة الأخيرة
فأنتِ, سيكون لديك العديد من الآحاد في انتظارك
أما أنا, فمن يعرف ما سيحدث لي
فهذا هو الأحد الأخير



حاولت مرة أخرى البحث عن الأغنية التي اقتبست جزءا من التانجو البولندي عن طريق تطبيقات الأغاني المختلفة, المجانية منها والمدفوعة,الهمهمة والدندنة في مواقع مخصصة لذلك, تفتيش أي كارت ميموري أجده في مزبلة درج المكتب, سؤال بولنديي الجنسية ممن صادفت أثناء السفر ولكن بلا طائل.
قد يبدو هذا شيئا تافها أو بائسا أو تافه حد البؤس حتى, لكني لسبب ما أعتقد أنني يوما ما سأجد تلك الأغنية وربما أجدها الآن بعد مرور كل هذا الوقت أغنية ساذجة لا تستحق العناء مثل أي شيء تنهك نفسك للحصول عليه ثم تكتشف أنك لم تعد ترغب فيه ولكنه سيكون انتصارا ما أضيفه على قائمة قصيرة بها "حاجات أردتها و-ياللدهشة- حصلت عليها".


الأحد، 28 أكتوبر 2018

-18

لا أعرف بالتحديد من قام بتقسيم المحتوى إلى +18 و-18 ولم اختار 18 سنة ولا على أي أساس يُصنف المنتج أنه يناسب زائد أو ناقص 18, ولكني أذكر أن ماما زمان, أقنعتني ألا أُكمل مشاهدة Lion King معللة ذلك بأنه "مش حلو, مش هيعجبك" ولم أعرف إلا بعد سنين أنها لم تكن تريدني أن أشعر بالحزن على موت موفاسا.
عندما كبرت قليلا وأصبحت أختار منفردة ما أشاهده من كرتون, تعجبت من قصص ومسلسلات, صُنعت خصيصا لتكون -18 بل -12 لكنها شديدة الحزن وفيها أحداث صادمة لا يمكن تجاوزها بسهولة, مثل موت روميو في "عهد الأصدقاء" أثر مرضه بالسل أو معاناة سامي ووسيم اليتيمين الصغيرين أو ضياع ريمي في الشوارع وبحثها عن صحبة وأهل وأم..
أذكر أني كنت في الحادية عشرة عندما تعرفت على هاري بوتر. كنا نقضي معظم شهور الصيف في العجمي, كانت لي طقوس لا تتغير بداية من البطاطس المحمرة التي تغريني بها ماما لأوافق على الخروج من حمام السباحة بعد أن هربت من الراجل اللي بيصفر شمالا وغربا وجنوبا وشرقا, إلى ركوب العجلة على البحر وشراء أيس كريم الليمون والذهاب إلى كشك الأهرام لشراء كتب لطيفة حتى يأتي الطفطف. تلك السنة, اخترت هاري بوتر وحجر الفيلسوف ليكون بداية الصيف ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن, لا شيء يحل محل هاري بوتر في ذكريات طفولتي وبداية مراهقتي. كنت أحب هاري ورون وهرمايوني كأصدقاء حقيقيين, نواجه قوة السحر الأسود معا, نتجول في دهاليز هوجوارتس, نفرح كثيرا لظهور سيريوس بلاك ونكتئب جدا عندما يُقتل. أذكر أني أحببت كثيرا شخصيات بعينها مثل دمبلدور, هاجريد ولونا وسيدريك ديجوري وكنت أمقت الكثير من الشخصيات مقتا حقيقيا مثل بيتر بيتجرو, دولوريس أمبريدج, وبيلاتريكس.
هذه الأيام, في محاولة لاستعادة ذكريات طفولتي التي أحبها بشكل خاص, قررت أن أشاهد أفلام هاري بوتر الجزء بعد الجزء لكني لم أتخيل أن التجربة ستكون مختلفة إلى هذا الحد.
ليلة أمس شاهدت Harry Potter and the Order of the Phoenix وهو من الأجزاء المحببة إليّ وفي العادة أتأثر كثيرا لموت سيريوس بلاك وأشعر بالغل تجاه دولوريس المثال المتقن للشخص المؤذي الذي يتمتع بسلطة قمعية يستخدمها كما يشاء لينشر وجهة نظر جهة معينة ويربي العيال اللي مش نافعة بأسلوبه. في الحقيقة, أنا شخصيا عندي بعض المشكلات مع فكرة السلطة والتأديب وقد وجدت الكثير من الشبه بين شخصية دولوريس وشخصيات قابلتها في حياتي الدراسية والعملية فكنت دائما ما أشعر بغضب بالغ وحقيقي تجاه تلك المرأة, لكن تلك المرة, وأنا +18 بل +21, لم تعد مشاعري كما كانت تجاه الشخصيات فوجدت نفسي أشتمها بغضب مضاعف عندما عاقبت هاري وجعلته يكتب "I must not tell lies" بدمه, ولم يكن غضبا مدفوعا بمشاعر الصداقة الحميمة مع هاري بوتر كما كان الوضع آنذاك, بل زاد عليه مشاعر من نوع أن هو عشان الولد مالوش أهل تقومي تعملي فيه كدة وأنه لو  كان ابني لكنت جبت الولية دي من شعرها وفرجت عليها الناس وقد شعرت بذنب كبير لمشاهدتي إياه يظلم ويؤذي بهذا الشكل دون أي تدخل في مجرى الأحداث.فقررت أن أوقف الفيلم وأنام.
لاحظت أن ربما كلما نكبر سنا, نشعر أكثر بمعاناة الآخرين, أو ربما نفهم مدى صعوبة كل شيء لدرجة قد تدفعنا أن نتعاطف خفية مع أشياء كنا نظنها مطلقة السوء, فلا يوجد ما هو واضح طيب أو شرير. أعود أرثي للSinging fat Lady وأفكر في كل كريسماس لم يتمكن هاري من الاستمتاع به وأتفهم ما قد حدث لTom Riddle ليصبح على الصورة التي هو عليها كما أعتذر  للأبواب إذا ما رُزعت, وللزجاجات البلاستيكية إذا ما رُميت وللأوراق إذا طويت, وأربت على الدمى قبيحة الشكل إذا ما صرخ عندما يراها الأطفال وعلى كلاب الشارع التي لا أستطيع أن أخذها جميعا إلى البيت, وأتأكد حينها أن ربما كان من المنطقي أن نشاهد تلك الأشياء المؤثرة أو الصادمة ونحن صغار في السن, مرنون وغير منهكون, كان من المنطقي أن يكون كل ذلك -18 فقط.

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

الجمال الكامن في الشيء غير المتماثل

أن تحب السيميترية والأنماط المتكررة مثل توافق رجل الكرسي مع حافة السيراميك، تعادل المسافات بين الشجر والمربعات السوداء على رقعة الشطرنج - وما لم تكن وس أندرسون بالطبع- لهو أمر غريب بالنسبة إلي، وبالغريب لا أعني أنه OCD, والحقيقة أني أجهل تماما حب الآخرين في تعليق حبهم للنظام والسيمرتية وكرههم لما يعبث بذلك الترتيب على شماعة الوسواس القهري والذي يختلف إلى حد معقول مع تلك الأعراض التي يفخرون بها على كل حال.
في الواقع أنا أجد تلك الأنماط والقوالب المكررة مملة وسخيفة -إلا إن كانت في فيلم من أفلام وس أندرسون- حيث أجد نفسي أميل إلى اختيار باقات الورد ذات الألوان الكثيرة التي تبدو وكأنها قد وضعت بلا تفكير, أحب أن تبدو البراويز وكأنها قد رُشت على الحائط رشا غير مقصود, أحب أن أرى العشب الأخضر بين البلاطات غير المتماثلة في الحجم, أحب النبات المتسلق على ناحية واحدة من شرفة الجيران.أحب الابتسامات التي تكشف أسنان الجانب الأيمن أكثر مما تفعل بالأيسر, وأحب الفرق بين السنتين الأماميتين وأحب فستاني ذا الكتف الواحد, طويل الطرف من اليسار وقصيره من اليمين ولا يثير حنقي ألا تبدو الأشياء كأنها خرجت من مكنة تصنع قوالب أوتوماتيكيا توا, على العكس تماما.

الخميس، 12 أبريل 2018

Cliché with a view

"شغلي اللي أنتِ عايزاه"
مد يده بال AUX دون أن يحيد نظره عن الطريق, تناولته بيدي وأنا أنظر إلى أصابعه وأفكر في أن كل ما تلمسه يبدو أكثر أناقة وهنداما قبل وقع يدخ عليه. تذكرت أول مرة جلس بجانبي وهو يمسك بمفاتيحه ويلعب بها حول أصابعه وكيف يمرر أنامله في شعره الخفيف مصففا..
أجبت بأن موبايلي لا يستقبل الAUX لأني غنية فشخ ومعي Iphone أحدث من آي فونه وأن لعنة الله على Apple اللي بوظت دماغنا.
 قررت أن أعلن عن رغباتي لمرة وحيدة قائلة "احكيلي حاجة بقى للطريق",  وعندما سألني عما أريد معرفته,  قلت أنه يعرف عني الكثير ولا أعرف عنه شيئا وأن هذا ليس عدلا, ربما أن يخبرني عن أولى قصص الحب في حياته واستطردت محاولة التراجع "كلمني عن علي الإنسان".
استجاب- غالبا بدافع الشفقة وربما الملل- أن يحكي لي حُب الجامعة الذي استمر سنة ونصف. استمعت إلى قصته التي يعتبرها أكثر القصص كآبة ومأساوية في حياته, بينما وجدتها cliche ولا ترقى لأن تكون قصة حب, هي أجدر بأن تكون سوء تفاهم, خيانة, سفالة أو أي معنى ناقص كذلك وقد شعرت أني سمعت ما يشابهها بكل تأكيد في مجلس آخر.
 ما لم يكن متكررا كان الview, حيث أنار الطريق شريطا محيطا بعينيه فأضاف جوا دراميا فريدا, وأنا كنت أحب عينيه, وقد بدا خده من تلك الزاوية كخد طفل صغير يغريك لتقرصه مداعبا أو تضغط عليه بشفتيك مقبلا, أصابعه الملتفة حول المقود, والتي تتحرك في توتر بين زر التكيف, فتح الشباك وغلقه, ودعك عينيه الذي أبقاهما إدرينالين رواية القصة -لمفاجأتي- مفتوحتين بعد العاشرة مساء وصوت ضحكه الخفيف كلما شعر أنه أكثر من الصعبانيات.
وصلنا إلى منزلي, لم يتوقف عن الحكي ولم أبدِ أي رغبة في الرحيل..استمعت إلى ما يقول وأجبت بما تيسر عندما سألني عن ما كنت لأفعله لو كنت مكانه وما كنت أفعله لو كنت مكانها.
-بس manipulative أوي البنت دي.
فأجاب على فور بأن آه بنت كلب.
لم أجد أن من اللائق أن اتركه الآن فقلت وقد عنيت ما أقول أن ما شاء الله, كان نفسي أبقى زيها.
نظر إلي محققا, أخفى ضحكته وقال إن مش لايق عليكي الدور دة خالص.
سكتت وقد فكرت في صحة ما يقول آسفة وأضفت أن آه, كان زماني عندي بودي وملوكة.
"وأنا كان زماني مربي شنب الظباط دة وبكرش"
-والعيال قاعدة تزن ورا وإحنا راجعين من تمرين السباحة.
"وفوط مبلولة وكمكمة"
-وزعيق عشان أقسم بالله الواجب لو ما اتعمل مفيش عيد ميلاد جومانا.
"شوفتي, الحمد لله إحنا أحسن من غيرنا"
-احنا زي الفل.