الأربعاء، 9 يناير 2019

السيرة الذاتية لمحلول عدسات لاصقة

لم تتحمس في باديء الأمر لمغادرة مكانها في تلك الصيدلية  رغم أن دكتور هاني كثيرا ما كان يوقعها أرضا وهو يمد يده لتناول عبوة من عبوات محلول العدسات اللاصقة القاطنة بنفس الرف بل أنه أحيانا لا ينتبه إليها وهي تأن من ألم السقطة على الأرض الباردة ويلاحظها فقط عندما يمر إلى الحمام فيصطدم بها بوز حذائه الجلدي فينحني متأففا ليتقطها ويرجعها على الرف. وعلى الرغم من ذلك هي تعرف الكثير عن طيبته من صديقها جهاز الضغط الذي يقبع في الدرج المظلم أسفل الرف الذي تسكن به مع زميلاتها القواربر, فقد حكى لها كيف كان دكتور عيسوي يعامل علب الأدوية حتى أنه قال لها أن في مرة قذف بعلبة أوجمانتين رقيقة بعنف. ربما يبالغ الجهاز في وصف بشاعة دكتور عيسوي فالتجويد في قص الحكاية ليست سمة من سمات الإنسان وحده.
بدأ الأمر برنين جرس التليفون, وهو شيء معتاد في هذه الصيدلية حيث يتصل العملاء المرفهون الكسالى من بني آدم لطلب أتفه الطلبات فيجمعها دكتور هاني -متأففا أيضا- ليضعها أحمد في كيس عليه اسم الصيدلية ويتمختر بموتوسيكله مميز الصوت الذي يشعرك أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة  ليوصلها إليهم ويعود بالنقود وقد أخذ ما فيه النصيب من فكة.
هذه المرة, بينما كانت عبوة العدسات اللاصقة تتثائب في ملل, أمسك دكتور هاني بعنقها بلا اهتمام ليضعها جنبا إلى جنب مع زجاجة شامبو بلاستيكية ملونة. نظر الشامبو إلى المحلول نظرة ذات مغزى قبل أن يضعهما أحمد في الكيس. كانا يعلمان أن أيامهما في هذه الصيدلية قد انتهت.
اختطلت المشاعر بعض الشيء على القارورة وهي تستحضر ذكرياتها مع صديقاتها من القوارير أثناء الصناعة والتعبئة والنقل وقد أصابها الحزن لعدم تمكنها من وداعهن كما ينبغي إلا أن رفقة الشامبو كانت خير عزاء لها.


                                                                             ******

فتحت عيناها لتجد نفسها في غرفة لطيفة, مركونة بجانب كثير من الكراكيب المختلفة من شورتات ملونة, مايوه حريمي رقيق برتقالي اللون  وآخر رجالي كاروهات لم يعجبها, كوتشينة, Ipad, شواحن لا تعرف لأي أجهزة هي, عدسات لاصقة مغطاة في جرابها البلاستيكي, وفستان أخضر قصير جدا لا تسطع تخيل كيف قد تلبسه إنسانة دون أن تظهر مؤخرتها للجماهير.
استلقت على سرير غير بعيد عن الأرض حقيبة سفر مفتوحة على مصرعيها تضع فيها فتاة ذات بيجامة كاروهات -لا تعرف سر حب أهل البيت للكاروهات حقيقة- بعض الأشياء بعناية وترتيب.

-أخدت غيارات كفاية؟
تساءلت الفتاة. لم يرد أحد.
 رفعت صوتها حتى أيقظت الشامبو فزعا وهي تكرر:
-أخدت غيارات كفاية؟ أنا هاقفل الشنطة خلاص.

ثم لاحظت قارورة محلول العدسات اللاصقة والشامبو فأخذتهما ووضعتهما بين فوطتين في منتصف الحقيبة وأغلقتها بإحكام.


                                                                           ******


أخذت القارورة  لحظات, تنظر حولها في تعجب وقلق قبل أن تتذكر رحلتها من الصيدلية إلى..ما هذا المكان؟ أين هي؟ نظرت حولها في هلع حتى همس لها الشامبو في هدوء أن تنظر من الشباك.
كانت تلك أول مرة ترى فيها البحر, لم تعرف غير زرقة أرض المصنع, أما هذا فلا يشبه أي شيء آخر على الإطلاق. هذا سحر خالص.
تمنت كثيرا لو أن صديقاتها كن هنا يشاركنها هذا المشهد, هل رأى دكتور عيسوي البحر؟ ها شاهد هذا المنظر من قبل؟ 
لا تظن. لا يمكن أن يرى إنسان هذه الدرجة من الأزرق ويكون بهذه القسوة. مسكين دكتور عيسوي, ربما هو فقط بحاجة إلى رحلة بحرية.


                                                                         ******


لفترة طويلة, تساءلت القارورة عن سبب وجودها وتصنيعها الذي لم يكن ذا معنى كما صُّور لها, إلى أن رأت البحر. أدركت أن كل شيء يحدث لسبب ما, فقد صُنعت لتنقل إلى تلك الصيدلية فيطلبها هذان اللذان بدورهما اصطحباها معهما إلى ذلك المكان الجميل المطل على أكثر الأشياءإبهارا وأن هذا الرجل يعاملها بلطف شديد, فلا يضغط عليها ولا يرميها بعدم اكتراث بل يضعها في مكانها بعناية بعد أن يتأكد أنه أغلقها كما ينبغي. يا له من جنتلمان.
أخذت القارورة أياما تتحدث في حماس مع صديقها الشامبو في أهمية الإيمان, فإذا آمنت حقيقة وبصدق بأن الآت سيأتي جميلا فسيأتي جميلا وكيف أن كل شيء يحدث لسبب  في وقت معين وهو أفضل وقت. يالصنع الإنسان و و و..إلى أن لاحظت حركة مضطربة وسرعة غير معهودة في حركة الثنائي اللطيف وهما يبرمان في المكان جيئة وذهابا, يلملمان أشياءهما من هنا وهناك, يضعاها بزهق في الحقيبة ويغلقانها, ينظران تحت السرير وفوق الدولاب, تدخل الفتاة إلى الحمام مرتين لتتفقد الوضع بينما يُخرج هو الحقيبة إلى الخارج وتلحق به زوجته.
 يدخل مرة أخيرة, ينظر مطولا إلى القارورة المتروكة على الترابيزة العالية المطلة على الشباك, يقترب منها ثم يبدل رأيه ويتركها كما هي ويغادر مغلقا الباب خلفه بإحكام.



الأربعاء، 26 ديسمبر 2018

The Last Sunday

لا أذكر بالتحديد لكني كنت في المرحلة الإعدادية على الأغلب. أعود من المدرسة لأجلس بالساعات منهمكة في تحميل أغاني جديدة والاستماع إلى المجموعة التي تم تحميلها في الليلة السابقة وأفاجىء نفسي باختيارات عشوائية تصيب تارة وتصدع رأسي تارة. أذكر أنني وقتها تعرفت على Queen و Scorpions وMireille Mathieu وPink Floyd وأندلسيات فيروز وأنني لم أحب David Bowie -آنذاك- ولذللك أنا آسفة.
وفي يوم, قد يكون سبتا رائقا -حيث كان الأحد أجازة وكنت أسهر كما أريد في جو من النظرات المشتعلة والسب المكتوم في حنجرة ماما- وقعت تحت يديّ أغنية لو تذكرتها لما كتبت هذا الذي أكتبه, أغنية لباند لا أعرفه لها كلمات لا أحفظها ولكني أستطيع أن أدندن لك بدقة الجزء المفضل لي والذي كنت أعيد وأزيد فيه حتى يصيبنا جميعا الانهيار العصبي.
قضيت أسبات أخرى أقل بهجة في بحث مستميت عن تلك الأغنية بعد أن مات جهاز الكمبيوتر الضخم آخذا معه ما تيسر وما تعسر من أغاني, ضاما إلى قبره تلك التي لم أجدها أبدا قط. إلى أن بعد أكثر من خمس سنوات, جاء يوم -ربما يكون سبتا كذلك- قررت فيه أن أشاهد "Blanc", أحد أفلام ثلاثية كيشلوفسكي لأجد أن الشخصية الرئيسية تفترش أرض محطة المترو وتعزف على الهارمونيكا لحن الجزء الذي أحبه في الأغنية إياها, فأشعر ذلك الشعور الذي ينتابني حين أرتدي بنطلونا مضبوطا من الوسط والفخذين في نفس الوقت وهو إحساس لو تعلمون غير متكرر حد البكاء.
تعلقت بتلك القشة وأخذت أبحث وأستشير جوجل والمنتديات ومواقع الأفلام في أمل لأجد أن ذلك اللحن المستخدم هو جزء من تانجو بولندي حزين من الثلاثينات اسمه "Ostatnia niedziela" أو "The Last Sunday" بالإنجليزية, ويُحكى أنه عُرف أيضا باسم "Suicide Tango" وقد فهمت سبب ذلك عندما ترجمت كلمات الأغنية الأصلية بالطبع والتي تقص قصة فتاة تترك حبيبها من أجل آخر أكثر ثراء فيتفهم المسكين ذلك لكنه يرجوها ألا تضيع الوقت في الكلام الذي لا فائدة منه وأن تقضي معه اليوم, يوم الأحد, آخر أحد قبل الرحيل قائلا مثلا:


ليس هذا هو الوقت المناسب للبحث عن أعذار
فكل شيء قد انتهى, هذه هي الحقيقة
اليوم, رجل آخر, أكثر ثراء مني, أفضل مني
قد سلبني سعادتي وأنتِ

سأطلب منك طلبا واحدا أخيرا
امنحيني هذا الأحد, الأحد الأخير
وبعدها فليتداعى العالم من حولي

هذا هو الأحد الأخير
اليوم نفترق, للأبد
هذا هو الأحد الأخير
فانظري إليّ
بحب, للمرة الأخيرة
فأنتِ, سيكون لديك العديد من الآحاد في انتظارك
أما أنا, فمن يعرف ما سيحدث لي
فهذا هو الأحد الأخير



حاولت مرة أخرى البحث عن الأغنية التي اقتبست جزءا من التانجو البولندي عن طريق تطبيقات الأغاني المختلفة, المجانية منها والمدفوعة,الهمهمة والدندنة في مواقع مخصصة لذلك, تفتيش أي كارت ميموري أجده في مزبلة درج المكتب, سؤال بولنديي الجنسية ممن صادفت أثناء السفر ولكن بلا طائل.
قد يبدو هذا شيئا تافها أو بائسا أو تافه حد البؤس حتى, لكني لسبب ما أعتقد أنني يوما ما سأجد تلك الأغنية وربما أجدها الآن بعد مرور كل هذا الوقت أغنية ساذجة لا تستحق العناء مثل أي شيء تنهك نفسك للحصول عليه ثم تكتشف أنك لم تعد ترغب فيه ولكنه سيكون انتصارا ما أضيفه على قائمة قصيرة بها "حاجات أردتها و-ياللدهشة- حصلت عليها".


الأحد، 28 أكتوبر 2018

-18

لا أعرف بالتحديد من قام بتقسيم المحتوى إلى +18 و-18 ولم اختار 18 سنة ولا على أي أساس يُصنف المنتج أنه يناسب زائد أو ناقص 18, ولكني أذكر أن ماما زمان, أقنعتني ألا أُكمل مشاهدة Lion King معللة ذلك بأنه "مش حلو, مش هيعجبك" ولم أعرف إلا بعد سنين أنها لم تكن تريدني أن أشعر بالحزن على موت موفاسا.
عندما كبرت قليلا وأصبحت أختار منفردة ما أشاهده من كرتون, تعجبت من قصص ومسلسلات, صُنعت خصيصا لتكون -18 بل -12 لكنها شديدة الحزن وفيها أحداث صادمة لا يمكن تجاوزها بسهولة, مثل موت روميو في "عهد الأصدقاء" أثر مرضه بالسل أو معاناة سامي ووسيم اليتيمين الصغيرين أو ضياع ريمي في الشوارع وبحثها عن صحبة وأهل وأم..
أذكر أني كنت في الحادية عشرة عندما تعرفت على هاري بوتر. كنا نقضي معظم شهور الصيف في العجمي, كانت لي طقوس لا تتغير بداية من البطاطس المحمرة التي تغريني بها ماما لأوافق على الخروج من حمام السباحة بعد أن هربت من الراجل اللي بيصفر شمالا وغربا وجنوبا وشرقا, إلى ركوب العجلة على البحر وشراء أيس كريم الليمون والذهاب إلى كشك الأهرام لشراء كتب لطيفة حتى يأتي الطفطف. تلك السنة, اخترت هاري بوتر وحجر الفيلسوف ليكون بداية الصيف ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن, لا شيء يحل محل هاري بوتر في ذكريات طفولتي وبداية مراهقتي. كنت أحب هاري ورون وهرمايوني كأصدقاء حقيقيين, نواجه قوة السحر الأسود معا, نتجول في دهاليز هوجوارتس, نفرح كثيرا لظهور سيريوس بلاك ونكتئب جدا عندما يُقتل. أذكر أني أحببت كثيرا شخصيات بعينها مثل دمبلدور, هاجريد ولونا وسيدريك ديجوري وكنت أمقت الكثير من الشخصيات مقتا حقيقيا مثل بيتر بيتجرو, دولوريس أمبريدج, وبيلاتريكس.
هذه الأيام, في محاولة لاستعادة ذكريات طفولتي التي أحبها بشكل خاص, قررت أن أشاهد أفلام هاري بوتر الجزء بعد الجزء لكني لم أتخيل أن التجربة ستكون مختلفة إلى هذا الحد.
ليلة أمس شاهدت Harry Potter and the Order of the Phoenix وهو من الأجزاء المحببة إليّ وفي العادة أتأثر كثيرا لموت سيريوس بلاك وأشعر بالغل تجاه دولوريس المثال المتقن للشخص المؤذي الذي يتمتع بسلطة قمعية يستخدمها كما يشاء لينشر وجهة نظر جهة معينة ويربي العيال اللي مش نافعة بأسلوبه. في الحقيقة, أنا شخصيا عندي بعض المشكلات مع فكرة السلطة والتأديب وقد وجدت الكثير من الشبه بين شخصية دولوريس وشخصيات قابلتها في حياتي الدراسية والعملية فكنت دائما ما أشعر بغضب بالغ وحقيقي تجاه تلك المرأة, لكن تلك المرة, وأنا +18 بل +21, لم تعد مشاعري كما كانت تجاه الشخصيات فوجدت نفسي أشتمها بغضب مضاعف عندما عاقبت هاري وجعلته يكتب "I must not tell lies" بدمه, ولم يكن غضبا مدفوعا بمشاعر الصداقة الحميمة مع هاري بوتر كما كان الوضع آنذاك, بل زاد عليه مشاعر من نوع أن هو عشان الولد مالوش أهل تقومي تعملي فيه كدة وأنه لو  كان ابني لكنت جبت الولية دي من شعرها وفرجت عليها الناس وقد شعرت بذنب كبير لمشاهدتي إياه يظلم ويؤذي بهذا الشكل دون أي تدخل في مجرى الأحداث.فقررت أن أوقف الفيلم وأنام.
لاحظت أن ربما كلما نكبر سنا, نشعر أكثر بمعاناة الآخرين, أو ربما نفهم مدى صعوبة كل شيء لدرجة قد تدفعنا أن نتعاطف خفية مع أشياء كنا نظنها مطلقة السوء, فلا يوجد ما هو واضح طيب أو شرير. أعود أرثي للSinging fat Lady وأفكر في كل كريسماس لم يتمكن هاري من الاستمتاع به وأتفهم ما قد حدث لTom Riddle ليصبح على الصورة التي هو عليها كما أعتذر  للأبواب إذا ما رُزعت, وللزجاجات البلاستيكية إذا ما رُميت وللأوراق إذا طويت, وأربت على الدمى قبيحة الشكل إذا ما صرخ عندما يراها الأطفال وعلى كلاب الشارع التي لا أستطيع أن أخذها جميعا إلى البيت, وأتأكد حينها أن ربما كان من المنطقي أن نشاهد تلك الأشياء المؤثرة أو الصادمة ونحن صغار في السن, مرنون وغير منهكون, كان من المنطقي أن يكون كل ذلك -18 فقط.

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

الجمال الكامن في الشيء غير المتماثل

أن تحب السيميترية والأنماط المتكررة مثل توافق رجل الكرسي مع حافة السيراميك، تعادل المسافات بين الشجر والمربعات السوداء على رقعة الشطرنج - وما لم تكن وس أندرسون بالطبع- لهو أمر غريب بالنسبة إلي، وبالغريب لا أعني أنه OCD, والحقيقة أني أجهل تماما حب الآخرين في تعليق حبهم للنظام والسيمرتية وكرههم لما يعبث بذلك الترتيب على شماعة الوسواس القهري والذي يختلف إلى حد معقول مع تلك الأعراض التي يفخرون بها على كل حال.
في الواقع أنا أجد تلك الأنماط والقوالب المكررة مملة وسخيفة -إلا إن كانت في فيلم من أفلام وس أندرسون- حيث أجد نفسي أميل إلى اختيار باقات الورد ذات الألوان الكثيرة التي تبدو وكأنها قد وضعت بلا تفكير, أحب أن تبدو البراويز وكأنها قد رُشت على الحائط رشا غير مقصود, أحب أن أرى العشب الأخضر بين البلاطات غير المتماثلة في الحجم, أحب النبات المتسلق على ناحية واحدة من شرفة الجيران.أحب الابتسامات التي تكشف أسنان الجانب الأيمن أكثر مما تفعل بالأيسر, وأحب الفرق بين السنتين الأماميتين وأحب فستاني ذا الكتف الواحد, طويل الطرف من اليسار وقصيره من اليمين ولا يثير حنقي ألا تبدو الأشياء كأنها خرجت من مكنة تصنع قوالب أوتوماتيكيا توا, على العكس تماما.

الخميس، 12 أبريل 2018

Cliché with a view

"شغلي اللي أنتِ عايزاه"
مد يده بال AUX دون أن يحيد نظره عن الطريق, تناولته بيدي وأنا أنظر إلى أصابعه وأفكر في أن كل ما تلمسه يبدو أكثر أناقة وهنداما قبل وقع يدخ عليه. تذكرت أول مرة جلس بجانبي وهو يمسك بمفاتيحه ويلعب بها حول أصابعه وكيف يمرر أنامله في شعره الخفيف مصففا..
أجبت بأن موبايلي لا يستقبل الAUX لأني غنية فشخ ومعي Iphone أحدث من آي فونه وأن لعنة الله على Apple اللي بوظت دماغنا.
 قررت أن أعلن عن رغباتي لمرة وحيدة قائلة "احكيلي حاجة بقى للطريق",  وعندما سألني عما أريد معرفته,  قلت أنه يعرف عني الكثير ولا أعرف عنه شيئا وأن هذا ليس عدلا, ربما أن يخبرني عن أولى قصص الحب في حياته واستطردت محاولة التراجع "كلمني عن علي الإنسان".
استجاب- غالبا بدافع الشفقة وربما الملل- أن يحكي لي حُب الجامعة الذي استمر سنة ونصف. استمعت إلى قصته التي يعتبرها أكثر القصص كآبة ومأساوية في حياته, بينما وجدتها cliche ولا ترقى لأن تكون قصة حب, هي أجدر بأن تكون سوء تفاهم, خيانة, سفالة أو أي معنى ناقص كذلك وقد شعرت أني سمعت ما يشابهها بكل تأكيد في مجلس آخر.
 ما لم يكن متكررا كان الview, حيث أنار الطريق شريطا محيطا بعينيه فأضاف جوا دراميا فريدا, وأنا كنت أحب عينيه, وقد بدا خده من تلك الزاوية كخد طفل صغير يغريك لتقرصه مداعبا أو تضغط عليه بشفتيك مقبلا, أصابعه الملتفة حول المقود, والتي تتحرك في توتر بين زر التكيف, فتح الشباك وغلقه, ودعك عينيه الذي أبقاهما إدرينالين رواية القصة -لمفاجأتي- مفتوحتين بعد العاشرة مساء وصوت ضحكه الخفيف كلما شعر أنه أكثر من الصعبانيات.
وصلنا إلى منزلي, لم يتوقف عن الحكي ولم أبدِ أي رغبة في الرحيل..استمعت إلى ما يقول وأجبت بما تيسر عندما سألني عن ما كنت لأفعله لو كنت مكانه وما كنت أفعله لو كنت مكانها.
-بس manipulative أوي البنت دي.
فأجاب على فور بأن آه بنت كلب.
لم أجد أن من اللائق أن اتركه الآن فقلت وقد عنيت ما أقول أن ما شاء الله, كان نفسي أبقى زيها.
نظر إلي محققا, أخفى ضحكته وقال إن مش لايق عليكي الدور دة خالص.
سكتت وقد فكرت في صحة ما يقول آسفة وأضفت أن آه, كان زماني عندي بودي وملوكة.
"وأنا كان زماني مربي شنب الظباط دة وبكرش"
-والعيال قاعدة تزن ورا وإحنا راجعين من تمرين السباحة.
"وفوط مبلولة وكمكمة"
-وزعيق عشان أقسم بالله الواجب لو ما اتعمل مفيش عيد ميلاد جومانا.
"شوفتي, الحمد لله إحنا أحسن من غيرنا"
-احنا زي الفل.

الخميس، 1 سبتمبر 2016

ميكروباص الفيوم

كانت تلك المرة الأولى التي تسافر فيها وحدها دون إسماعيل. وقفت أمام الميكروباص, تمسك ابنتها من يدها وتجرجرها خلفها حتى كادت تنخلع من من مفصلها, سألت كل من تقع عليه عينها, ليقول لها السائق في نفاد صبر وهو يعد بعض العملات الفضية التي فردها على يده اليسرى "والمصحف رايح الفيوم يا ست".
. حملت ابنتها ونقرت بدبلتها على زجاج الشباك ففتحه الرجل وتلقف الصغيرة من خلاله بينما جلست أم ريماس على الكرسي المجاور للشباك وعلى نظرة نصر, ودون سلام أو كلام أخذت البنت التي تبكي بلا توقف, وضعتها على حجرها وهي تتحسس جسمها من فوق الثياب وقد مر في خاطرها كل حوادث التحرش التي سمعت عنها ورأتها بنفسها وأعادت النظر للرجل في كراهية واضحة.
ما إن تحرك الميكروباص حتى هدأت البنت وبدأت في الكلام "ماما دة كلب؟" فتهز رأسها, "بنت؟" فتجيب "حلوة زيك" , "ماما دي ريحة كشري؟" فلم تجب.
"ماما"
-همم
"دة كشري؟"
-آه
"جعانة"
"ماما جعانة"
 فتضع يدها على فم ابنتها وهي تزغر لها زغرة أعادت لها صمتها. لم تنقضِ خمس دقائق حتى عادت إلى ملاحظتها المدهشة عن أي شيء ساء قدره ومضى في طريقها.
"ماما الست دي داخلة النار؟"
فتنظر من الشباك:
-داخلة النار ليه إن شاء الله؟
"ماشية بشعرها, بابا قاللي.."
من جديد وضعت يدها على فم ابنتها بسرعة وكأنها تسد بلاعة كادت تطفح وقد أراحت يدها الأخرى على رأسها مربتة عليه:
 -نامي يا ريماس
لم تغمض الصغيرة عينها مع ذلك بدأت الأم تزن زنة رتيبة وتهز في رجلها وتحرك كفها على شعر ريماس في حسم حتى بدأ جفناها في الاستسلام, وفجأة وكأن شخصا قرصها فتحت عينها قدر ما استطاعت وقد قالت بصوت سمعه ركاب الميكروباص كله كما ستجزم أمها في حكايتها:
"مش عايزة أنام يا ماما يا بنت الوسخة" 

السبت، 11 يونيو 2016

العصفورة طارت

تململ عم عاشورفى مقعده الخشبي, أنزل ساقه اليسرى من تحت مؤخرته النصف ممتلئة باحثا بقدميه الأثنتين عن شبشبه المعروف صوته على سلالم العمارة كلها, متسائلا عما يمكن أن يكون قد دب في شقة الأستاذ عمرو الله يرحمه. نظر إلى أعلى من بئر السلم باحثا عن رأس مدام رانيا التي لم تعد تستطيع استخدام جهاز الانتركم بعد أن هشمه ابنها إلى عشرة أجزاء بعصا المقشة لكثرة ما يرن عليه المعزون ليفتح لهم أهل الدار باب العمارة.

"العصفورة طارت يا عم عاشور"

جرى عم عاشور على السلم لاحقا برأس مدام رانيا الذي سبقه إلى الداخل, لم يسمِ الله ولم يرن الجرس كعادته عندما تحتاجه المدام لتغيير لمبات نجفة السفرة المحروقة دائما أو للوقوف مع السباك فى الحمام, لكنه لم ينسى أن يخلع نعليه على العتبة الرخامية بكل الأحوال. دخل خلفها إلى البلكونة وقد أخذ صوت ابنتها ذات السبع سنوات يعلو شيئا فشيئا كلما اقترب. وقفت وقد تفرقت خصلات شعرها القصيرة فى عشوائية, تنزل الدموع غزيرة من عينيها المحمرتين, يسيل سائل من أنفها فتسحبه إلى الداخل مجددا فى صوت مسموع, تصرخ بصوت حاد صعب تصديق حقيقة أنه يخرج من حنجرة بهذا الحجم, تشير بإبهام يمناها إلى العصفورة. عصفورة صفراء ضئيلة, لا تكاد تُرى بين البلاطات الملونة التي استقرت على إحداها, تلعب بجناحيها وتنظر فى دهشة إلى التجمع البشري غير المألوف, حيث تقف الحاجة فاطمة جدة الأولاد تشير إليها بكلتا يديها لتقترب بينما أخذت الأم ابنتها بين ذراعيها وهي تسحبها إلى الوراء بحذر تاركة الساحة لعم عاشور ومهاراته المأمولة فى صيد العصافير. اقترحت الحاجة فاطمة على بواب العمارة أن يحلقا حولها من الجهتين فلا يدعا لها مجالا للهرب, فانطلقت الفتاة فى الصراخ مجددا مرددة أن "ابعدي أنتِ, أنتِ اللى سبتى القفص مفتوح".
أخذ عم عاشور يقترب فى بطء وقد انخفضت قامته لتصبح فى مستوى العصفورة, أخذ يصدر صفافيرا مثيرة للسخرية وبكل جدية, كأنه يتحدث إلى الطائر الصغير بلغته الأم حتى يفهم. تقدم الرجل زاحفا, أكثر فأكثر وقد بدأ ذراعه يستطيل ممتدا إلى كرة الريش الصفراء. كانت الجدة قد اقتنعت أنه بالفعل أمسك بها, وكفت الفتاة عن البكاء, فتح عم عاشور يديه فارغة, ليس بها شىء سوى الهواء.

"العصفورة طارت"

انطلق صياح الصغيرة عميقا عاليا كما لم يُسمع من قبل, ولا حتى ليلة مات الأستاذ عمرو الله يرحمه. أخذت رانيا تغريها بعصفورة جديدة, بل اثنتين, واحدة صفراء وواحدة زرقاء, بل ببغاء ملون, من النوع المتكلم وسنسميه سمسمة على اسم العصفورة التى طارت..لم تكف. بلا انقطاع, استمر بكاؤها.
أمسكت الحاجة فاطمة عصاها ولفت طرحة الصلاة حول شعرها الشائب ونزلت على السلالم لاعنة عند عمرو ورفضه دفع مصاريف الأسانسير, يللا الله يرحمه ويغفر له.
أصبحت الجدة على أسفلت الشارع والعصفورة تطير من شجرة إلى أخرى, تنتقل بين الأغصان وكأنها اكتشفت لعبة جديدة فى مدينة الملاهي والسيدة العجوز تسير فى أقصى سرعة تقدر عصاها عليها, موازية لها كظلها على الأرض وهى تنادي أن يا سمسمة تعالي, انزلي يا سمسمة الله يهديكي.
لم تصدق رانيا ما تراه من أعلى, وأخذت تأمر أمها بالصعود وبالكف عن الفضائح فلا يصعد إلا صوتها العالي قائلا أنها لن تعود إلا عندما تعود العصفورة. فارتفع صوت الطفلة بالبكاء وقد بكت أمها.

"حتى  تيتة والعصفورة سابونا ومش عايزين يبقوا معانا."