السبت، 12 أكتوبر 2013

بداية القصيدة

كان الوداع سريعا..لم أدرك ان كان ذلك مناسبا لغياب سيدوم شهر و نصف.
احتضنت والدى و أختى وحبست دموعى بقدرة لم أتوقعها و دخلت المطار وحدى حاملة حقيبة على ظهرى, على ذراعىّ حقيبتا اللابتوب و الكاميرا, جارة من خلفى أكبر حقيبة تم تصميمها على الاطلاق فى تاريخ حقائب السفر.
جرت الأمور فى المطار سريعا..تلقيت مكالمات رقيقة موّدعة و مكالمة مطولة اطلقت فيها العنان لاحاسيسى المضطربة المتضاربة تجاه هذه الرحلة ثم انطلقت للصالة و منها الى الطائرة.
فى شبابى, هذه أول تجاربى فى الطيران..تجلس بجانبى فتاة خليجية كثيرة الكلام..فكرت كثيرا فى ادعاء المرض و الأزمات القلبية أو أن أسير ببساطة الى الباب و ارجع.
انتهى الأمر..انطلقنا و لم يعد هناك مجال للرجوع و أصبح علىّ التأقلم..تذكرت ما قرأت عن دعوة المسافر فدعوت.استمعت الى فيروز و الى حديث الفتاة بجوارى بلا تركيز.
مرت الساعات الأربعة بسلاسة لا بأس بها و وصلت الى أبو ظبى حيث علىّ قضاء ساعتين.
ظللت أبحث عن "صالة 41"..مشيت وراء العلامات..فوق تحت يمين شمال..لم أصل! وجدت أحد رجال الأمن, رجلا ذا ملامح آسيوية و شعر ناعم, سألته محاولة الابتسام عن مكان الصالة مخبرة اياه كل المعلومات التى قد يحتاج معرفتها..ابستم ببلاهة و هو يأخذ التذكرة من يدي و قال مشيرا الى الأعلى :"Downstairs ma'am" !
أدركت أن علىّ الاعتماد على الله و نفسى فقط فى البحث عن القاعة اللعينة. وجدتها بعد ساعة و نصف من البحث و الركض و اللف و الدوران..جلست و أنا أكره أبو ظبى و الهند و العالم.
تفقدت هاتفى وجدت العديد من الرسائل من شركة المحمول التى ترحب بى فى دولة الامارات العربية ملحقة بأرقام خدمة العملة. فى اللحظة ذاتها اتصلت أمى:

" ها يا ميوى بقيتى فين ؟
-........
مى ؟!
-......."

لم استطع الرد و لا الكلام..بكيت كثيرا بعد سماع صوت ماما..انتهيت من البكاء و عاودت الاتصال..تحدثت الى اهلى حتى بدأ القطيع فى التحرك نحو الحافلة التى ستقلنا للطائرة فذهبت.

الجزء الثانى من رحلة وصولى..الطريق من أبو ظبى الى مومباى..كانت الرحلة هادئة و كنت جائعة فأكلت بنهم حتى ابتسم الجالس جوارى..شاهدت " العتبة الخضرا" و أنا اشرب الشوكولا الساخنة.
وصلنا الى مطار مومباى فى حوالى الثالثة فجرا..الجو شديد المطر و المطار..غريب!
اختلفت اشكال الناس و لغتهم و أصبحت وحيدة تماما..انهيت اجراءاتى فى صعوبة و ذهبت لاستلام الحقيبة فوجدتها ممزقة..محضر فاعتذار فكلام بلا طائل الا شعورى بالاختناق.

خرجت من المطار بعد عناء دام ساعة و نصف..كان الجميع قد غادر و لم أجد وجها أعرفه..تمطر بلا توقف فلا أكاد أرى.
أما زال كريم فى انتظارى ؟ تراه شعر بالملل و ذهب ؟
انظر بتركيز فأجده !
اعتذر كثيرا عن التأخير و نتبادل الأحاديث و يخبرنى عن تعلقه بمومباى , فقد جاء الى هند قبلى بأسبوع كامل و هو مقيم بمومباى..أما أنا فذاهبة الى سورات..مدينة صغيرة على بعد 5 ساعات بالقطار من مومباى.
ذهبنا الى رحلة قصيرة حول مومباى..انتابتنى صدمة من قذارة المترو و الشوارع و كمية الرجال التى تقضى حاجتها فى الطريق..
فى 10 دقائق وجدت نفسى فى مكان أوروبى الطابع..حيث الأشجار الخضراء المصفوفة و المبانى الانجليزية الطراز و الفنادق الفخيمة التى لا أجرؤ أن أمد فيها قدما و كما تغيرت المبانى و تغير الناس فرأيت النساء الجميلات بملابسهن غير التقليدية و سياراتهن الفارهة و الرجال ذوى العطور الفخمة و السجائر الغالية و الملابس الsigné .
وصلت الى محطة القطار بعد معاناة دامت ربع ساعة حاول كريم شرح "محطة القطار "
محركا قبضته المضمومة من أعلى لأسفل و هو يصفر مقلدا صوت القطار لسائق التاكسى الذى لا يعرف حرفا من الانجليزية. أوصلنى حتى مقعدى..مقعد مريح فى الدرجة الاولى من ما يسمى Sleeper Class حيث تحل الأسّرة محل الكراسى و ينام الجميع.
ودعت كريم و أنا أشكره و ان كنت لا استطيع شكره كفاية..لولا مساعدته و كفاحه مع حقائبى المهولة الحجم لما وصلت و لجلست أبكى على الرصيف فى مومباى لنهاية الرحلة.

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

-1

لا أدرى كيف واتتنى الجرأة.  فتحت باب الغرفة دون استئذان على غير عادتى..كانت أمى جالسة على السرير تقرأ قرآن الفجر.
" أنا خلاص مش عايزة أسافر! "
نظرت الىّ مبتسمة فى سخرية ثم حولت نظرها للمصحف.
"ماما...
-..صدق الله  العظيم..ها ؟
مش عايزة أسافر خلاص
خلاص ماتسافريش! "

ذهلت..شعرت بغصة و سكتت. جلست و سألت فى أسى:

"و الفيزا و تذكرة الطيران؟ دة السفر بكرة!
-انتِ اصلا عايدة علينا بخسارة من زمان يا مى."

ابتسمت فى شجن و أسلمت نفسى للبكاء..ما المشكلة؟ لقد رغبت فى هذا التبادل الثقافى منذ سنين..و لكن الهند! لقد اردت السفر لاوروبا..و المدة 45 يوم ! يغلبنى الحنين للقاهرة و منزلى و الشوارع و الجيران عندما اكون فى الاسكندرية لخمس أيام..ماذا سأفعل فى 45 يوم فى الهند وحدى ؟!
كيف أقضى رمضان بعيدا عن عائلتى؟ فى الهند نسبة من المسلمين و لكنى واثقة أنى سأفتقد روح الشهر و سكونه..رمضان القاهرة لا مثيل له !

حقائبى معدة و مغلقة بالأقفال..الملابس التى سأرتديها نظيفة مكوية و موضوعة بعناية على كرسى المكتب المقابل لفراشى..جواز السفر و النقود فى حقيبة اليد و قلم و نوتة صغيرة كتبت فيها أرقام هواتف اثنين من الهنود من المفترض أن اقابلهم و أرقام مصرية مهمة و رقم السفارة المصرية فى الهند تحسبا.

"ماما أنا مسافرة"

لم ترد علىّ. أعطتنى حضنا و قبلة و شربنا آخر رشفات من الماء قبل آذان الفجر..اقترح أبى أن أفطر فمازال أمامى على الأقل 10 ساعات حتى أصل الى الهند لم أقبل و لم أمانع..فقط سأنتظر و أرى ان احتملت الصيام.
لم ننم. سهرنا أبى و أمى و أختى و أنا نجتر الذكريات.. لم يكن ذلك حكيما بكل الأحوال..بكينا جميعا و أدركنا أنه باقى من الزمن ساعات قليلة و أكون فى مطار القاهرة قاصدة بلاد ظننت أنها تركب الأفيال.

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

أرق


انها الخامسة الا ثلاثة عشر دقيقة..الظلام يعم حجرتى و الملل يسكن نفسى..
فى الفراش أنا منذ الثانية بعد منتصف الليل, أطفأت الأنوار , قبلت أختى النائمة فى السرير المجاور على جبينها فجزت بلا وعى على أسنانها و أدارت وجهها للحائط..اتخذت وضعا ما على جانبى الأيسر و لكنى أحسست أن رقبتى مرفوعة أكثر مما يجب, تخلصت من وسادة و اكتفيت بالأخرى, لم أجد مكانا أضع فيه الوسادة الزائدة عن حاجتى فأنمتها بجوارى.
لا يعد سريرى كبيرا بل انه عكس ذلك تماما فلم يدخل داخل الى غرفتى حتى يعلق على أحجام السريرين و يزول اندهاشه-او يزداد- عندما اخبره ان هذا السرير لم يتغير منذ ولدت. فى الواقع انا احب سريرى جدا و لم أفكر يوما فى تغييره..اى نعم فى الليالى الصيفية أجد نفسى مدلدلة الأطراف و كأننى شجرة من أشجار الزمالك القديمة و أحيانا لا اجد مكانا ليدى اليمنى التى أحشرها حشرا بين بطنى و المرتبة او ادفسها تحت المخدة و مؤخرا لكى اتفادى هذه الورطة أنام على بطنى و اضع يداي كليهما تحت الوسادة و غالبا ما تصحبهما رأسى, ما يدهشنى هو اصرارى الدائم على ان تنام وسادتى جوارى على الرغم من عدم وجود مكان كافى ليدى..عندما تذكر الوسائد تذهب الأيادى للجحيم.
لم أعانى من قبل من الأرق..لا ليس "من قبل"..ما أقصده أننى لست مؤرقة بطبعى و لم يكن النوم يشكل لى أى مشكلة على مدار أيام حياتى كلها, كنت بمجرد أن أستشعر النوم أستسلم..لم أقاومه سوى مرات قليلة نادرة..فى الحقيقة أنا أعشق النوم, لم أجد أى نشاط انسانى ممتع أكثر من النوم..النوم نشاط انسانى بالفعل, عمل مهم و حيوي فى حياة بنى آدم جميعا و أعتقد انه لا يأخذ حقه فى التقدير و الاحتفال. لم اتعامل مع النوم من قبل على انه شىء لابد منه او انه مجرد احتياج انسانى القليل منه كافى مثلما تعتبره أمى..أنا أنام من أجل النوم, كم من أحداث و حفلات و مناسبات لم أشارك فيها لأننى نائمة. النوم هو الصفاء التام هو حالة الفراغ الكامل التى تكافئ بها نفسك على تحملك للناس و تفاصيلهم المزعجة و أيامك المتشابهة و عملك الذى لا ينتهى و حياتك التعيسة.
انها الخامسة و الربع مستيقظة مازلت..أفكر فى النوم و لا أخطر بباله..كيف و لماذا ؟ كنت دائما صديقة وفية افضله على العالمين و مع ذلك تخلى عنى و تركنى اتكأ مرة على يمينى و مرة على شمالى و مرة اجلس فى السرير نصف جلسة فى انتظار هجومه المحبب الى نفسى..لكنه لا يأتى.
فى هذه الأحوال غالبا ما الجأ للقراءة..قاتلة الملل الأولى مع مرتبة الشرف..ضغطت زر المصباح المعلق فوق سريرى فلم يضئ , كررت فلم, نزعت الفيشة كلها و أوصلتها بالكهرباء مجددا فلم أرى نورا..فى هذه اللحظة وصلت الرسالة, أدركت انه يوم سئ و الغد أسوأ..مصباحى العزيز-حتى هو-تخلى عنى..لا نوم لا قراءة لا نور.
أغمضت عيني رغما عنى و كأننى أعاقبنى..صخب و ضوضاء فى رأسى لا يخمد..و لم لا؟ فلأفكر اذن..التفكير هو ثانى قاتل للملل..أجد نفسى عالقة فى محاضرة الهيستولوجى فأقرر أن أفصل الفيشة و أختار لنفسى موضوعا أجمل من الهيستولوجى..أسرح فى أفكارى بالساعات و لا أمل, أفرح كثيرا اذا توصلت لفكرة مفيدة ثم تقع آمالى أرضا و أنا أنظر لمن حولى...
فيم أفكر؟ لا أدرى, ليس هناك ما يلفت انتباهى الآن..ليس هناك سوى النوم للأسف.
سأنام..رغم أنف النوم سأنام..دفنت رأسى تحت الوسادة, قلبت الغطاء على ظهره حتى أحصل على الجانب الأبرد منه و أغمضت عينى و فى لحظة تبددت كل محاولاتى -التى كادت تنجح- برنين معدنى سخيف..انها السادسة موعد استيقاظى الكئيب.
تمنيت لو أمسكت بالموبايل و أغلقت عليه قبضتى بعنف فينهار و يتساقط قطعا قطعا و لكنى اكتفيت بأن اخرسه و أقوم.

السبت، 26 يناير 2013

ما أخبارك ؟

عندما يسألك أحدهم عن أخبارك فهو اما ينتظر منك اجابة متعارف عليها " الحمد لله " او انه يعنى ما يقول و يريد منك ان تقص عليه أخبارك حرفيا. فى الغالب أميل ان اكون من النوعية الاولى , تلك التى تحبذ الردود المختصرة , التى تحمل اقل قدر من الدراما و حظ اوفر من الخصوصية التى احترمها , و لكنى مع الأسف , نادرا ما أقع فى أحضان من هم مثلى بل اننى ثلاثة أرباع الوقت اكون بين مخالب الأسئلة الفتاكة و العيون الفاحصة التى تريد و بمنتهى الفجاجة معرفة " ما أخبارى " !
عندما اسئل عن اخبارى فعلى ان اتكلم عن انجازاتى او بمعنى اصح فشلى فى الدراسة او العمل , عن صحتى او بدقة اكبر مرضى و كيفية تعايشى معه , عن سبب خسارتى للوزن بهذا الشكل الفادح او فعليا اكتسابى العديد من الكيلوهات الاضافية على كتلتى الأساسية و لا ادرى ان كان السبب الحقيقى هو الاطمئنان البرئ عنى و عن حياتى و مسارها ام انه نوع من " اللى يشوف بلاوى الناس "..عندما لا يصبح لديك ما بكفيك لتشعر بأن " كله تحت السيطرة " و انك لم تفقد زمام الأمور و ان مشكلاتك و ان تعددت ما زالت "محلولة ان شاء الله" تبدأ فى البحث عن " أخبار " الآخرين , فعندما ترانى و قد ازددت وزنا على وزن تنظر الى كرشك الصغير باطمئنان مبتسما بأنك لست الأثقل و ان كنت ثقيلا ما زلت..حين تجدنى اتردد على الاطباء تفرغ انفك مما يملأه برضا و امتنان لجيوبك الأنفية الملتهبة و بالرغم من اننى اعمل لصالح الأمم المتحدة و يبدو علىّ الأبهة فأنت تشعر بانتصار واضح حين أخبرك اننى اشعر انى اضيع وقتى و انى لا أجد نفسى فى هذا الهراء.
ماذا اذا لم يكن لدى " اخبار " ؟
كيف ستتقبل ردى ب " الحمد لله " حاف بلا زيادة ؟
ربما بقليل من الالحاح و الأسئلة الخانقة أجيب ب " الحمد لله , كويسة " !
و هذه ليست نوعا من انواع السخافة او التأديب أو حتى طريقة من الطرق لاسكاتك , انها فقط الحقيقة..انا بالفعل الحمد للع كويسة..برغم السمنة و المرض و العمل المرهق , كويسة.
لا أشعر بالظلم و لا احاول ان اشعر نفسى عنوة اننى ضحية مجتمع لا فائدة منه و لا ان العظماء امثالى يظنهم الناس سعداء و هم يحملون هموما تثقل كاهلهم و افكارا تزحم عقلهم.
ربما فى المرات القادمة سيتوجب على ان أشرح انه لا داعى لأن يكون من حولك نسبيا اسوأ منك حالا حتى تستطيع ان تنعم و حالتك السيئة و ان كانوا اسوأ منك حالا فهذا لا ينفى ان حالك ما زالت سيئة كذلك.. و لماذا لا يشعرون ان العمل فى الامم المتحدة بالنسبة اليك ما هو الا شئ مشابه لعمل المحامى فى سوبرماركت كبير.
اضطررت الى اللجوء الى وسيلة جديدة غير الاستفاضة فى اخبارى و غير الاقتضاب فيها..التجميل ! فعندما تسألنى عن صحتى اخبرك ان الطبيب مندهش من سر شفائى المفاجىء و اننى بدأت احب العمل و احسست اننى بالفعل خلقت لذلك و فيما يتعلق بالسمنة يمكننى التعلل بأننى حامل مثلا او ان الموضة بأمريكا هذه الأيام هكذا ! فتنظر من  حولك لتجد انك اصبحت القطل الفاشل فى الجمع و انه لا يسعك احتمال جيوبك الأنفية الملتهبة اكثر من هذا .
و فجأة يتغير السؤال من  " ما أخبارك ؟ " الى " عاملة ايه ؟ كويسة الحمد لله ؟ ".

الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

مساء يوم ممطر

يرن هاتفه المحمول فى جيب الجاكيت الجلد الأسود الذى خلعه لحظة دخل السيارة و أغلق بابها عليه محاولا عزل صوت الأمطار من حوله فى أحد شوارع مصر الجديدة المزدحمة.
اهتم بمعرفة المتصل و لكنه لم يجب..لا ينقصه الا ذلك اليوسف الذى يفلق دماغه نصفين بأحاديثه المملة الممتدة عن ذكرياته فى كليه الطب و المنحة التى كاد يحصل عليها حتى تدخل أستاذ النساء و الولادة ليقحم اسم ابنته الطبيبة الفاشلة فتسافر هى الى امريكا و يبقى هو و عن تلك الفتاة الممشوقة القوام التى تلاحقه اينما ذهب وتحاول لفت نظره و عن و عن...
فتح النافذة فانهال الماء الى داخل سيارته الجديدة فأغلقها و هو يسب و يلعن..تدهورت الفاظه منذ عاد الى مصر , حتى انه  أصبح يتفوه بتلك العبارات القذرة أمام ابنه تلقائيا و لا يجد اجابة حين يسأله ابنه عن معنى ما قاله للتو .
هو يجد الشتيمة شئ ايجابى رغم كل شئ..شئ صحى يسمح لك بتفريغ طاقتك السلبية دون ايذاء يذكر..يتذكر ابنه و يحمد الله انه لم ينجب بنتا.
تذكر ان الغد موعده الأسبوعى لرؤية عمر ابنه ذى السنوات العشر. أعد له هدية تفوق توقعاته و قرر ان يهديها له فى عيد ميلاده , لطيف ان يكون عيد ميلاد ابنك قبل عيد ميلادك بثلاثة أيام , فهكذا لا ينسى ابنك أبدا عيد ميلادك , حتى و ان لم تكن تعيش معه فى بيت واحد.
كاذب من يقول انه نسى عيد ميلاده , كيف ينسى المرء يوما كهذا..الذكرى السنوية لبداية المعركة اللاارادية.
أخرج من جيب الجاكيت ولاعته الذهبية و علبة السجائر , أشعل سيجارة و هو يتأمل الولاعة.
تذكر يوم أهدته شيرين تلك الولاعة , كان ذلك فى عيد ميلاده منذ ثلاث سنوات..كان ذلك بعد الطلاق مباشرة.
لم تكن ترحب بفكرة التدخين و لكن رسالتها كانت واضحة , كأنها تقول له " حيث أنك أصبحت تعيش بعيد عنا , دخن هذه السجائر حتى تحترق رئتاك ."
أخذ يتابع السيارات خارج النافذة فلم يرى سوى نقاط حمراء متلاصقة ترجمت فى عقله انه لن يصل الى بيته فى مدينة نصر بسهولة.
انتابته موجة برد شبيهة بحالة صرع هزيلة..تذكر أكواب الكونياك الزجاجية التى قُدمت له فى ذلك الفندق بروسيا .. تذكر انه لم يتشترى الكونياك قط..اكتفى فقط بال ID Vodka و النبيذ طبعا.
لم يفهم أبدا تلك ال " اشربها ع بق واحد " التى تقال للمبتدئين فى الأفلام العربى , هو شخصيا يفضل شربها على مراحل متلذذا.
عطس عطسة تبعها بالسباب..لا يحب ان يمرض.
سيشرب actifed syrup عند وصوله ..لم يستطع منع نفسه من تخيل نظرات السخرية فى عين يوسف اذا امسك به متلبسا لزجاجة شراب الأكتيفيد , شراب الأطفال الذين يعانون من الرشح و أعراض الزكام , يفضل ان يراه و هو يحتسى الخمر عن أن يراه و هو يشرب دواء ابنه..ثم تخيل أنه يشعل النيران فى يوسف .
استمرت الأفكار غير الهادفة تعلق بأطراف مخيلته حتى دخل جراج عمارته..حذائه غير نظيف , انفه يسيل و عيناه تدمعان..يشعر بحاجة الى الاستحمام للتخلص من آثار الأمطار التى يعتقد انها حمضية و تحمل أتربة مصر كلها اليه و قدح من ال vodka يساعده ع الاسترخاء.
خلع حذائه على باب المنزل , وضعه على سور البلكونة لينظفه من آثار الطين و بدون دراية " اتقلب " حرفيا على السرير و غط فى النوم.

الجمعة، 26 أكتوبر 2012

عم أحمد

ذلك الرجل ذو الستين عاما تقريبا , صاحب الضحكة الطفولية المفرحة برغم تلك الثغرات فى صفى أسنانه..الرجل الذى شاب شعره و تساقط أمام بوابة مدرستنا.
عم أحمد , اول وجه أراه فى المدرسة على الاطلاق , و لم يكن يوما لطيفا رغم ذلك..فأحد أولياء الأمور الذى تحلل عقلهم ذاتيا من الركنة الذين يؤمنون بسلطانهم و سلطتهم اللانهائية و قدرتهم على اهانة هاموش المجتمع , تلك الأعداد غير المؤثرة فى الحياة , هؤلاء الذين يشكلون زيادة لا أحد يرغب فيها..هذا الشخص قد صفع عم أحمد على وجهه صفعة قد تكون سببا فى ازدياد تلك الثغرات بين أسنانه و هذا لأنه رفض أن يسمح له بدخول المدرسة يسيارته الضخمة خوفا على الأطفال المنتشرين بفناء المدرسة يلعبون , مخبرا اياه انها تعليمات الادارة.
بدأت علاقتى الشخصية بعم أحمد عندما تدألجت من على السلم , فكان يسأل عنى يوميا و يأخذ حقيبتى الثقيلة ليحملها على ظهره المتعب , يوصلنى الى فصلى و يبتسم فى وهن مغادرا.
ثم ذلك اليوم الذى وقفت فيه مدام نسرين تصرخ مشيرة بانفعال بأصابع يدها الطويلة التى كادت تطيح بعينى اليمنى فظهر عم أحمد من العدم كالملائكة ليقول لها فى دهشة و هدوء بصوته الذى يشعرك دائما انه كان يبكى منذ قليل اننى "بنت كويسة اوى " و اننى بالتأكيد " نسيت كارنيه الأوتو و بكرة هاتجيبه , صح ؟ " محولا عينيه الطيبتين الى فأحرك رأسى من فوق لتحت أن نعم .
الى ان وصلت علاقتنا لقمتها فى ذلك اليوم الذى يطول الى الرابعة عصرا بسبب نشاطى الكشفى فى المدرسة , حانت الساعة الرابعة..و النصف..الخامسة..فالسادسة..ثم السابعة و لم يأتى أحد لاصطحابى بعد.
نسينى والدى !
و لم ينسانى عم أحمد..احضر لى و له بعض السندويتشات و اشترى لى البسكوت و البونبون . بكيت كثيرا فأخذ يحدثنى عن طفولته و يوم تاه من أمه فى السوق و كيف وجدته يبكى بجانب بائعة الجرجير..قص علىّ كيف تعرف على زوجته و عن صينية السمك الصيادية بالبطاطس الذى تعده حتى بدأت أضحك و أتناسى .
انتظر معى حتى الثامنة الا الربع , حتى جاء والدى راكضا  معتذرا آسفا بشكل محا غضبى منه و خجلى من عم أحمد.
شكر عم أحمد جزيلا و حاول دس النقود فى جيب قميصه الأصفر فرفض تماما متمما بكلمات لم أسمعها .
و اليوم لا أثر لعم أحمد..أبحث عنه فى كل أرجاء المدرسة فلا أجده..أسأل عنه بعض الطالبات فتخبرنى احداهن أن عم أحمد ترك العمل فى المدرسة ليبقى بجانب زوجتة المريضة التى لا تفارق الفراش.
كنت أدعو الله بصدق و اهتمام و قلق راجية أن يكون بخير و أن يشفى زوجته و يعود الينا و لكنه لم يعد.
فكرت مرارا أن اسأل عم سالم زميله على بوابة مدرستنا عن أخباره و لكنى تراجعت خوفا من الرد الذى قد لا أحب أن أسمعه.

الجمعة، 31 أغسطس 2012

ياسين

 طفل صغير ذو شعر ذهبى و عينين خضراوين , ممسكا بيده كلها فرشاة , يغمسها بتأنى فى اللون الأزرق و يرسم..هذه أول مرة أرى فيها ياسين .
لم يكن صاخبا كغيره من صغار الحضانة , لكنه لم يكن هادئا كذلك.
قيل لى أن جدته هى من اصطحبته الى الحضانة أول يوم..لم أكن قد جئت الى الحضانة للعمل بعد , كان ذلك اثناء العام الدراسى و كطالبة فى كلية الحقوق لم يكن لدى متسع من الوقت لغير الدراسة..و مع ذلك فعندما عملت فى الحضانة و قابلت جدة ياسين طلبت منى رقم هاتفى لتطمئن عليه.
أطلبها على رقمها الذى اعطتنى اياه , فلا ترد..امسح بيدى على رأس الصغير و أجلس بجواره فى الفصل الضيق الملئ باللعب و الخالى من الأطفال و ابتسم و اقول له كذبا ان جدته فى الطريق و سوف تأتى بعد قليل لاصطحابه .
ياسين لدهشتى لم يكن يبكى , لا ادرى اذا كان يشعر بالغربة ..
كان يحكى لى باستفاضة عن جوربه المخطط الذى اختاره بنفسه ليليق مع قميصه المخطط..و استطرد راويا عن الجيلى الذى تصنعه جدته و ان جيلى الحضانة  يشبه مرطب البشرة الخاص بجدته .
ربع ساعة تمر و يظهر رجل لا استطيع ان احدد سنه بالضبط و لكنه بين الأربعين و الخامسة و الأربعين , اقترب مبتسما فأسرع ياسين اليه صائحا..لا هو أكبر من الخامسة و الأربعين و لكنه بلا شك أصغر من ان يكون قد تعدى السابعة و الأربعين..مدت يدى و سلمت عليه.
ليس صحيحا ما قالته لى دادة ثرية اذن , ياسين ليس وسيما لأن امه أجنبية فحسب..ربما فقط أخذ منها لون الشعر و لكنى أرى بوضوح انه أخذ عينين أبيه الخضراوين.
تعجبت من قدوم والد ياسين كثيرا..كل ما أعرفه عن هذا الرجل أنه يعمل فى أمريكا و انه لا يأتى لا قليلا فى بعض الاجازات , يزور ابنه و امه و يبيت ليليتين او ثلاثة و يعود الى عمله بالخارج.
بالفعل بعد هذه الواقعة بيومين بكى ياسين طوال اليوم فى الحضانة لأنه كان يريد أن يرسم له لوحة صغيرة ياخذها معه الى أمريكا , هدأت الصغير و اعطيته الايس كريم و اخبرته اننى سأساعده فى الغد ليرسم لوحة جميلة يعطيها لوالده حين يعود و أظن انه عاد ليبتسم بعد ذلك .
كان لدى فضول كبير عن أم ياسين التى لا تظهر و لا تسأل و لا يتحدث عنها ابنها ابدا..ربما تكون متوفية و ربما يكون والد ياسين قد طلقها و ما زال بينهما خلاف و ربما تعمل كثيرا فلا تجد للصغير وقتا..لا ادرى.
أسأل دادة ثرية بشكل عابر فى اليوم التالى " انما مامة ياسين عمرها ما جت خادته ليه ؟ "
تقص على ثرية القصة كما تعرفها :
أم ياسين امرأة أمريكية و تعرف عليها الباشمهندس هناك , فهو يعمل هناك منذ وقت طويل..تزوجها و انجبا ياسين , طفل جميل ذكى و  خفيف الظل ...لا أدرى ماذا حدث بالضبط او اى خلاف نشب بينهما و لكنها تركتهما و غادرت امريكا كلها..يقولون انها تعرفت على شاب بلجيكى وسيم و احبته و هربت معه ...لم يستطع الباشمهندس ترك عمله فى امريكا و لم يستطع الاعتناء به و خوفا من ان ينشأ نشأة غير سوية تركه هنا لجدته تربيه و ترعاه و أصر على دخوله الحضانة ليتعلم العربية اسرع و يعتاد وجوده بين اطفال اخرين فى مثل سنه...
و لم استمع الى باقى الحديث..اصابنى صداع نصفى و اخذت اذن و عدت الى المنزل.
نظرت الى امى و هى تتحدث هاتفيا مع خالتى و لم استطع ان اتخيلها تتركنا فى المنزل بلا طعام حتى تعود من مشوار تقضيه و بالتالى  عجز عقلى عن استيعاب ام ياسين التى تركت طفلها فى هذه السن الصغيرة جدا فى بلد ما و سافرت مع شخص اخر لبلد اخر و لم تعد..لا تسأل عنه و لا تعرف عنه شيئا !
لم استطع النوم و لم استطع القراءة او مشاهدة التلفاز..لا افعل شيئا الا و يفصلنى عنها وجه ياسين.
اهتممت كثيرا بان تكون لوحة ياسين رائعة و علمته كيف يرسم بيتا جميلا و كيف يلونه دون الخروج عن الخط . كان شديد الفرح يعد على اصابعه العشرة الأيام المتبقية لزيارة والده.
أتى اليوم الموعود و لم يظهر الأب و لم يتصل..ثلاثة أيام لاحقة و أخبرتنى دادة ثرية ان الباشمهندس مات , مات قبل ان يرى البيت الذى رسمه ابنه و لونه من اجله.
اختفى ياسين بعد ذلك و لم اره ,اتصلت بجدته عدة مرات و كان الهاتف مغلقا و لكنى حتى الان ادعو لها بطول العمر .
انتهى الصيف و عدت الى كليتى و لكنى ما زلت اذكر ياسين..اتمنى أن يكون بخير.