الأحد، 2 أكتوبر 2011

تلك الفتاة

لم تعد تعنيها النظرات المتطلعة فى استغراب إلى تلك الفتاة التى لا تحسن صنع ضفيرة لنفسها فيتدلى ذيل حصانها غير المشدود من الشباك و هى تبتسم ملئ فمها , كاشفة عن أسنان تعرف انها ليست الاجمل- و لكنها تؤمن تماما ان الابتسامة مهما بدت بلهاء فهى جميلة - ملاعبةً طفل صغير ذا أقدام حافية لا تعرف سوى ان اسمه على و انه ابن بواب العمارة المقابلة لعمارتها .
تجرى الى الثلاجة فى حماس لتجلب له قطعة من الشوكولا التى تأكلها فى شراهة و التى تعتبرها سبب أساسى فى ملئ جسدها البض و الذى لا يضايقها إطلاقاً..يأخذها مبتسماً فتشعر بالنجاح و الراحة و تذهب لتبدأ يومها..يومها الذى يعتمد بشكل أساسى على تجاهل نظرات الكثيرين..نظرات السيدات اللاتى يتعجبن من سيرها مرفوعة الرأس ناظرة إلى كل ما حولها من محلات زهور و سلات قمامة و رجال عجائز يقرأون فى الجرائد و امرأة شقراء أجنبية اعتادت المشى صباحا فى شوارع وسط البلد..نظرات رجال لم يعتادوا رؤية احداهن تركب العجلة و تقف فجأة لتلعب مع فتاة صغيرة قابلتها فى الطريق.
تتعمد أن تقترب من أبواب المقاهى الصغيرة حيث أنها تحب رائحة البن و القهوة على الرغم من عدم شربها لهذه المشروبات..مشروبات " الكبار " او هكذا تعتقد .
تضع سماعاتها فى أذنيها لتقول لفيروز " صباح الخير " لكن سرعان ما تفرغ البطارية..دائما ما تنسى أن الأجهزة تحتاج إلى شحن كهربائى و أنه لا يمكن أن تعطيها بعض الشوكولا حتى تعمل , فتصالح نفسها غير عابئة و تبدأ فى تكملة الأغنية بصوت خافت و هى تطلع الى المحلات المصفوفة فى طريقها .
تصل الى كليتها قبل الميعاد على غير العادة فتجلس قليلا مع " أم سعيد " و تكتشف أن لها أربعة أبناء و بنت غير سعيد و على الرغم من ذلك لا يظهر عليها علامات التقدم فى السن و لم تترهل بطنها بعد هذه الولادات الكثيرة المتلاحقة..الضئيلات جسماً هن الكثيرات حظاً إذن.
يبدأ اليوم و ينتهى فى ملل تتخلله بعض الأحداث اللطيفة مثل رؤية آدم زميلها الذى ربما لا يعلم بوجودها و لكنه أطول من ألا تلاحظه و سندويتش الكبدة الاسكندرانى الذى أكلته مع صديقتها بعد المحاضرة .
فى طريق العودة تتوقف مرة لشرب عصير مانجة و مرة لتدخل محل فارغة اليد فتخرج حاملة كيس.
فى بداية الشارع تلمح ابن البواب فتخرج من جيبها قطعة شوكولا صغيرة و تقدمها له فيبتسم لها ابتسامته المحببة إلى قلبها , تنزل على ركبتيها و هى تخرج من الكيس حذاء صغير فينظر على اليه فى رهبة ثم يتجرأ و يمسكه و يشكرهها فى فرح فتقدم له خدها فيقبلها قبلة خاطفة و يجرى ليجلس على سلم العمارة ليرتدى حذاءه الجديد.

الأحد، 28 أغسطس 2011

ه ج ر

" ما تبقيش غشيمة امال ! "
فتنظرهاجر فى أسف إليها و متلعثمة تقول " ما هو أصل الغرز صغيرة اوى و الابرة بتفُط من صوابعى يا ابلة ليلى.."
فتعتدل فى فراشها ترفع بعض الشعيرات البيضاء الناعمة من أمام عينها و تقرب الفناة ذات التسع عشرة عاماً منها و هى تمسك بيديها الاثنتين الابرتين و فى بطء مفتعل تريها كيفية عمل الغرزة و ان الكروشيه فن جميل و نتيجته ملموسة و سريعة ثم  تغمز بعينها اليمنى قائلة " و اول حاجة هتعمليها , هاشتريها منك " , فتلمع عين الفتاة و تبتسم .
بينما تنهمك هاجر فى الكروشيه , تدخل الغرفة فتاة عشرينية شديدة بياض البشرة شديدة سواد الشعر و تقبل جبين والدتها و تلقى سلاما عابرا على هاجر..تتحرك فى سرعة , و هى تمد الى العجوز دواء الساعة الخامسة و هى تقول فى حنق " فات ساعة الا ربع على معاد الدوا " و تنظر الى هاجر نظرة أدركت معناها..فتلعثمت مبررة " والله يا آنسة إيمان محسناش بالوقت " ثم تضيف قائلة فى زهو شاهرة قطعة ملونة من القماش لا معالم لها  " شفتى ابلة ليلى علمتنى اعمل دة ".
تمتنع إيمان عن الرد و تلقى بكلمتها المعتادة فى أذن الأم " يا ماما هو احنا بندفعلها عشان نعلمها تريكو؟!..انا لو بارجع بدرى من الشغل كان زمانى باخد بالى من مواعيد الادوية بتاعتك "
فترد عليها جهرا غير عابئة " ملكيش دعوة بهاجر..و دة مش تريكو دة كروشيه.. "
تلف لسانها فى فمها سبع مرات حتى لا تتفوه بما يغضب امها و تشير فى هدوء الى هاجر " قومى اغسلى المواعين و رَوّحى "
فتفز واقفة و تسأل " احضرلك تاكلى ؟ "
فتنهى النقاش بحسمها المعروف " اغسلى المواعين و رَوّحى..بس "
تقترب إيمان و تنظر لامها فى حنو و هى تحاول ان تقنعها انها جلبت هاجر لتخدمهما لا لتزيد من همومها و مسئولياتها فتدافع عندا ليلى فى اشفاق معللة ان البنت يتيمة و انها ستساعدها لانها تستحق و ان المرتب و ان كان كافياً فانه لن يكفيها عمراً..ففتاة غير متعلمة مثل هاجر تحتاج الى صنعة تعتمد عليها فيما بعد اذا تبدلت الظروف .
فتنظر الي تجاعيد وجهها و عينيها المختفيتين خلف نظارة قديمة الطراز و هى تتنهد و تدعو دعوات صادقة داخلياً بأن يعطي الله والدتها الصحة و العافية و لا يغير قلبها الطيب هذا أبدا.

" هاجر "
فتشير الفتاة الى الهاء و هى تقول " مش دى اللى قلتى انها شبه الفيونكة ؟! "
فتبتسم السيدة العجوز " فيونكة فى نص الكلام..فى الأول بتتكتب كدة.." و أمسكت يد الفتاة الحاملة القلم الرصاص و هى تعدل من امساكها بالقلم " يللا اكتبيها 5 مرات "
تدخل إيمان مستفسرة عن سر التصفيق الذى سمعته فتضحك الأم معللة " هاجر دلوقتى بقت تقدر تفك الخط و تكتب كمان "
فتبتسم ابتسامة موهنة و تهم بالخروج لولا ان نادتها الأم تطلب منها قهوة الساعة السابعة و عصير طازج لهاجر حتى تستعيد نشاطها..فتدرك انها الان فى خدمة أمها و خادمة أمها و لكنها تعود بالقهوة و العصير..فقط لأنها لم تر أمها فى هذه الفرحة العارمة منذ فترة بعيدة.

" انا لازم امشى...ماتزعاليش مينى "
تلقى إيمان بالجواب فى الدرج و تلقى بنفسها على الكرسى و هى تسند رأسها إلى المكتب..مئات الأفكار و الخواطر و الأحاسيس الساخطة تسيطر عليها...يجب ان تعطى الجواب لأمها حتى لا تظن انها طردتها..كما سترى انها أصبحت تستطيع أن تُكوّن جملا قصيرة صادمة..ربما ليست صحيحة تماما ولكنها تفى بالغرض...أم أن عليها اختلاق حجة لرحيل هاجر..ستنفجر أمها باكية اذا علمت بأمر الجواب....
تخرج الجواب من الدرج مرة اخرى و هى تنظر بتقزز الى الخط الردئ و الحروف المعوجة و الأخطاء الإملائية و تدسه فى جيبها..تحضر العشاء و تذهب الى غرفة الأم بالصنية و تغلق الباب بقدمها من خلفها.





اهداء الى جدتى الله يرحمها

الخميس، 18 أغسطس 2011

Lovestruck

بدأت تقتنع تماماً انها بالفعل مريضة .
بلا شك , الفراغ الداخلى يزيد من احساسها بالبرد فتفكر قبل النوم فى شرب رشفتين من البنزين مع عود ثقاب مشتعل ,لا لشئ سوى التدفئة و ايقاد نارا تضئ بين جوانحها الصماء المتجمدة الشديدة الثقل .
يرن هاتفها تحت الوسادة فترتجف..أصبحت المكلمات الهاتفية تخيفها..كذلك جرس باب الشفة و شخللة المفاتيح و تلك الرنة المزعجة التى يصدرها الميكرويف فور انتهائه من تسخين الطعام..و باتت الأصوات البشرية مزعجة بشكل لا يُحتمل حيث النداء و الأوامر و البكاء و الضحك..كل شئ سواء .
تفكر فى تغيير هذا اللحن الشجى الذى يؤلمها كلما رن الهاتف فلا تستطيع..اعتادت ان تسمع موسيقى " يا نسيم الريح " و آهات مارسيل خليفة عند اتصال أحدهم .
لم ترد لأن ذلك يطلب الكثير من الكلام و الضحك و الأصوات التى لم نعد تحب ان تصدرها او تسمعها .
هى فقط تريد سماع الأغنية على الرغم من العواقب المتوقعة.

"يا نسيم الريح قولى للرشا         لم يزدنى الوٍرد الا عطشا لى حبيب حبه وسط الحشا         ان يشا يمشى على خدى مشى"

نعم كان لديها استعداد تام ان تترك له خدها ليمشى عليه ان اشتهى ذلك..لماذا لم يخبرها ان الأغنية من كلمات الحلاج أم تراه لم يعرف..لو كانت فى وقت سابق لاتصلت به فوراً لتخبره..
أخذت تردد رقم هاتفه الذى حفظته عن ظهر قلب و هى تشعر بالقشعريرة .

" أقول لما طار عنى الكرى قول معنى قلبه هائم يا نائماً أيقظنى حبه هب لى رقاداً أيها النائم ! "

تكاد تجزم أنه نائم الآن..لا يكترث البتة بما أشعله فى صدرها من لوعة و افكار مزدحمة متلاحقة كنبضات قلب فتاة قبلها حبيبها قبلة خاطفة على خدها الأيسر.

" أهواك و لى قلب بغرامك يلتهب   تدنيه فيقترب تقصيه فيغترب
فى الظلمة يكتئب و يهدهده التعب    فيذوب و ينسكب كالدمع من المقل "

حتى فيروز أصبحت تتآمر عليها معظم الوقت..لم يعد أمامها الا سعد الصغير الذى لم يكشف سرها بعد غالباً !
فيروز أجمل منك كثيراً..فمع العلم أنها تواجه مثيلاتى من المتيمات الباكيات يومياً فى الليل الا انها لم تسأم بعد..

أطفئت الآي بود فور انتهاء الأغنية و هى لا تدرى ما يمكن قوله أو فعله فى هذا الوقت...ربما القليل من الشعر يساعدها على الاسترخاء بعض الشىء

" يا من يعز علينا أن نفارقهم     وجداننا كل شئ بعدكم عدم  إذا ترحلت عن قوم و قد قدروا   ألا تفارقهم فالراحلون هم "
أعطته الكثير ليتمسك به و لم يفعل بل قطع كل ما يربط بينهما بدقة جراح محترف مع سبق الإصرار..لا بأس , هى تدرك تماماً أن الراحل هو.
ترى بوضوح الآن أن حالتها أصبحت كلاسيكية من الدرجة الأولى..فتكتب رسالة " عليك اللعنة ! " و قبل أن ترسلها اليه فعلا , تغلق الهاتف نهائياً و تبكى حتى النوم .

السبت، 30 يوليو 2011

Élodie

تسير فى وهن..جسد ثقيل غريب عنها..تتذكر و هى تجر ساقيها جراً كم كانت رشيقة , خفيفة و ناعمة .
تحمل حقيبتها الجلدية بداخلها القليل من الكتب التى تقرؤها فى المواصلات..كتب من النوع الخفيف الوقع مثل Agatha christie مترجمة إلى الفرنسية و بعض كتب  Maurice Leblanc و بعض الاوراق الخاصة بها و جواز السفر و بعض العملات المصرية و أخرى أجنبية قليلة القيمة.
الشمس حارقة و لم تعد بشرتها تتحمل أكثر..تقفز فى أذنيها بعض الثرثرة القريبة تحت مظلة واحدة ينهمر فوقها المطر الباريسى و هو يضع يده على كتفها فى رقة و خطواته تدب دبة ثابتة خافتة على الأرض المبللة .
عليها ان تحمل نفسها على السير ابعد..لا مفر لا نقود..ستوفر كل ما تبقى لها من نقود لتعود إلى فرنسا فى أقرب وقت..لا تصدق أنها الآن هنا و أنها اختارت أن تترك بلدها و أهلها و أصدقاءها من أجله بكامل إرادتها .
أصبحت تدرك بشكل أوضح أنها غبية و أنها أدركت ذلك فى وقت لا يجوز فيه الندم..عندما يختار المرء و يكافح من أجل ما لم يكن مقدراً له من الأساس تكون خيبة الأمل .
تفكر فى خلع حذائها الذى يعوق مشيها بشكل أسرع و لكنها تعدل عن تلك فكرة فى محاولة بائسة للحفاظ على ماء الوجه .
تمقت المصريين..كل ما هو مصرى أصبح يثير الحنق و السخط .
تحاول تذكر تفاصيل أكثر عن قصة حبها الوحيدة..ذلك اليوم الذى التقت به لأول مرة...
لقاء عادى..أقل من العادى فى حديقة منزل صوفى و زوجها الذى عرفها قائلا " je vous presente Dr. Mohamed..un cher ami " فينظر اليها بعينين صافيتين للتحية فتمد يدها مبتسمة " Elodie " .
لم تعرف وقتها ان محمد سيكون حياتها الجديدة..كانت تحسب نفسها مدللة و لكنها لم تكن كذلك..ما قبل محمد لا داعى من حسابه فهو بلا قيمة .
أصبح الجميع يعرفون أن لا وجود ل ايلودى بغير محمد.
تشتاق الى ابيها كثيرا و تحلم بحضن دافئ يعطيها بعض الطاقة , أبيها الذى كان يحب محمد كثيرا لغرامه بكل ما هو مصرى...ابيها الذى رفض زواجهما رفضا قاطعاَ...و فاتت سنة و لم يتحدث إليها .
" انتِ تعرفين تماماً اننا لا نستطيع الاستمرار سوياً..لا تجعلى الموضوع أصعب..aides moi..aides moi s'il te plait "
كيف سمحت لنفسها بهذا الهوان..كيف افلتت لجام دموعها و جعلتها تنسكب أمامه هكذا فى رجاء و هو يتخلى عنها و يسحب يديه التى يسندها بها بعنف فتقع و يسيل الدم من أنفها.
تخرج من جيب الjupe منديلا و تمسح أنفها الملطخ بالدماء..اللعنة على الحرارة .
تستسلم , تعد ما تحمله من نقود و تنتظر الحافلة .
فى وقت كهذا..من المستبعد ان تجد كرسيا واحدا للجلوس..تقف فى المنتصف و هى تتفادى نظرات البعض إلى ال jupe و إلى عينيها الزرقاوين و ذيل الحصان الأشقر الذى يصل إلى وسط ظهرها .
تكتشف انها لم تعد تتمكن من التعامل مع المصريين..مصريين بلا قلب بعيون وقحة غير تلك التى اعتادت ان تنظر اليها و هى تسير مع محمد.
مصر ماتت فى نظرها..لم يعد لها مكان هنا..حتى الحافلة لم يعد بها مكان لها..حتى الشارع لم يعد فيه مكان لها.
اصبح من الصعب التماسك الآن فتترك اللجام لدموعها لتنهمر فى صمت مرة أخرى .
تمتد يد الى كتفها فتنتفض و فى سرعة , تنظر الى الخلف.
امرأة فى الأربعين من عمرها ترتدى شيئا رماديا بلا معالم , وجهها باهت بلا مساحيق فقط الكثير من الكحل الغليظ فى العينين , تتزحزح قليلا و تلتصق بالشباك مشيرة لها بيدها الجافة المتعبة الى مساحة ضئيلة بجانبها..فجلست و هى تنظر الى المرأة فى دهشة...
لا مصر لم تمت و المصريون يدركون الجمال الحقيقى كما يقول والدها دائما..لم تدرك وقتها ما حدث تماما و لكنها استندت على صدر الغريبة القريبة منها و بكت..بكاء ممتنا..بكاء لم تندم عليه .
توقفت الحافلة و نزلت ايلودى.
ايلودى مغسولة نظيفة مشحونة...
دخلت شقتها الصغيرة جدا و هى تتأملها فتدرك انها شقة جميلة و رائحتها حلوة..تضع جواز السفر فى علبة مجوهراتها و تضع العلبة فى الدولاب كما كانت و تخلد الى نوم طيب فى سرير يريحها .

الأربعاء، 27 يوليو 2011

القليل

مشكلتك..نعم أعرفها تماما..
أنت تريد..تريد الكثير..الكثير من الافكار تشغل عقلك المتعب من التفكير و لا وقت للتنفيذ.
ربما يكون معك حق و إن كنت لا أتفق معك.
أخبرنى انت اذن..ماذا يفعل من لديه الكثير من الوقت و القليل..القليل جدا من الأفكار..القليل جدا من اللأفكار الصالحة , القابلة للتنفيذ .
أنت محق..الانتحار ليس حلا..انا أجبن من ذلك بكل الأحوال .
ماذا تفعل عندما تشعر انك لن تستطيع ان تكمل حياتك هكذا و انك اجبن من ان تنهيها بيديك ؟
لا عليك..سأكون بخير .
أتعرف..ربما اكون بحاجة الى قليل من الراحة فقط..نعم القليل..و لكنى أنام كثيرا..أنام عشرين ساعة كحد أدنى !
انتظر..انا لست مكتئبة..
أنا فقط اريد ان اتكلم معك..قليلا..
ألازلت تسمعنى؟
هل تشعر بالنعاس؟
أستطيع ان اؤجل كلامى معك الى الغد..كما ترى , لدى الكثير من الوقت لاطلعك على ما اريد.
لا لا لم تحبطنى..على الاطلاق..و أنا لن انتحر كذلك..اطمئن لازلت جبانة كما أنا دائما.
هلا مررت غدا حتى نكمل حديثنا..ان امكن ؟!

الأحد، 17 يوليو 2011

أضغاث احلام

تبدأ حكاويها بفنجال من القهوة السادة التى لا تشربها عادة , فقد اعتادت طعمها المظبوط الذى لا زيادة فى سكره و لا نقصان . لكنها اليوم اختارت بعض التغيير لتثبت لنفسها شيئا متأثرة بذلك الحلم .

مطبخ فخم يغلب عليه اللون البنى و الرخام اللامع التظيف..يوجد فى احد اركانه طاولة مستديرة و كرسيان ...حملت الصنية الى الطاولة افرغت القهوة فى فنجالين و قدمت احدهما الى خطيبها الجالس على الكرسى المقابل..يشربان القهوة بتلذذ ثم يبدأ هو بالبكاء و ينخرط فيه..يفز واقفا و منتحبا يقول " انا لا استطيع ان اتزوج من امرأة لا تحب القهوة الا لأنها مرة " ثم يخرج بشكل مسرحى خارج الحلم .

لم تجد لهذا الحلم تفسيرا ..قالت لها اختها ان البكاء فى المنام خير , فهل تصدق ؟
و ان , فهل يكون الخير من نصيبها ام من نصيب ذلك الخطيب ؟
ثم من يكون ذلك الباكى الأسيف من الأساس ؟
تتنهد متأملة يديها الخاليتين من الخواتم و ترتشف القهوة .
لا تعرف لم يزعجها حلم كهذا على الرغم من كونه الطف كثيرا من احلام اخرى لم تعد تندهش من رؤياها .
تتذكر ما قيل لها عن برج الدلو و انه برج تعيس قد لا يفارقه النكد فيصل بعدها الى حالة من الزهد فيتقرب الى الله مع الوقت.
تتذكر ان منكوبى هذا البرج تتحقق رؤياهم كئيبة كانت او بهيجة فتحاول جاهدة ان تفكر فى اشياء سعيدة بغرض استدعائها فلا تستطيع..لا تتمكن الا فى التفكير فى ذلك اليوم الذى ذهبت فيه برفقة امها لتواسى صديقة و امها فى وفاة الجدة حيث تبادلت نظرات ذات مغزى مع صديقة اخرى لهما , الصديقة الوحيدة التى اختارتها لتقص عليها حلم سخيف مضمونه موت الجدة بعد عودتهم من رحلة استجمامية فى جمصة .
و لم يكن ذلك غريبا بالنسبة لمن يشعر باشخاص تتحرك بلا جسد من حوله طوال الوقت..ينظر اليها بسرعة فلا يرى احدا .
نُصحت بتلاوة " قل اعوذ برب الناس " لكن الخيالات لم تختفى .
و وقع الاقدام الذى يلاحقها اينما ذهبت..بدأ ذلك فى زيارة عائلية حين تعالت اصوات الخطوات فنبهت ابنة خالها بتفقد ابنها الذى يضرب الارض بقدمه , فتؤكد فى قلق ان ابنها فى تمرين السباحة.
كثيرا ما اقتربت فى حذر من الباب و فتحته سريعا بحركة مباغتة للامساك بهذا الذى يصدر اصواتا تزعجها متلبسا و لكنها لم تجد احدا.
عندما اصبح وقع الاقدام مستمرا لا يطاق , اضطرت كارهة ان تستشير بعض الاطباء..اشعة مقطعية على الجمجمة..تفقد شرايين الاذنين..علاج نفسى....و لم يختفى وقع القدم الخفى .

تفكر كثيرا فى ان الحياة اصبحت تسير فى مكانها..محلك سر...كلعبة اطفال بزنبلك حين ترتطم بالجدار و لا تكف عن الحركة حيث ساقها حظها العاثر.
لا سبيل من قص الشعر , تؤمن ان الاحزان الفائضة تتشبث بنهايات الشعر و ان المشكلات غير المنتهية عالقة فى اطرافه..ربما يكون هذا هو السبب فى شعورها الدائم بأن رأسها ثقيل اكثر مما ينبغى.

تتوق نفسها الى بحر اسكندرية فتحاول تذكر تلك الرائحة و لا تستطيع..تتذكر شعورها عند الغطس فى مائه المالح و ذلك الاحساس بأن هناك روح ما تجذبها الى اسفل وانها ستكون افضل حالا فى احشاء البحر...تشغل نفسها بدس اصبعها فى البن الموجود فى فنجالها الفارغ و ترسم به بعض الاشكال التى لم تعرف لها معنى وتقرر شرب المزيد من القهوة الخالية من السكر .

الجمعة، 1 يوليو 2011

احترف النظر و الانتظار

هنا على الشاطئ الرملى شديد البرودة انتظرك..لم يشغلنى ضوء القمر الفضى الذى يغذى جنيات البحر فى أحشائه عن النظر الى أبعد نقطة استطيع رؤيتها .
هناك بعيدا حيث اعرف أنك موجود..ربما تكون نائماً الآن أو على طاولة مع فتاة ما أوسع منى عيناً او أنعم منى شعرًا و لكنها ليست أدق منى نظراً و لا أكثر منى شوقاً , تشربون النبيذ القديم و تأكلون شرائح الجبن المشوى الذى تحبه .
كان البحر ليلاً يخيفنى و لم يكن بهذه الرومانسية فى البداية , لكننى الِفته و لم يعد غريباً عنى..بات يربت على أطراف قدمى عندما تجتاحنى نوبات البرد مبللا اياها بمائه الدافئ..ظننت ان ماء الليل بارد و لكنى اكتشفت انه أحر و أنعم مما كنت أعتقد .
لم اعرف بعد  إذا كانت رسائلى تصلك و لكننى لم أتوقف عن إرسالها لك..ربما يغيب القمر بضعة أيام و لكنه لا يضيع رسائلى ابدا..لقد وعدنى .
دعنا من القمر الآن , فقد بدأ بياض الفجر فى الظهور , بدأ البحر يستعيد زرقته و بدأت الرمال تستعيد لونها الترابى المعتاد فى ذلك الوقت.
الضباب يكتسح..لم اعد ارى الا شعاعاً متبقى من ضوء القمر المستتر.
ربما القليل من النوم يفيد..كلما وضعت رأسى على وسادتى الرملية الناعمة راودنى طيفك , فأقف سريعً معتقدة أنك قريب و لا أجدك .
ابدأ فى صنع عقداً من القواقع الصغيرة المبعثرة هنا و هناك فى انتظار أشعة الشمس الوليدة..
ها قد لاحت فى كسل و بدأ يدغدغنى شعاعها الدافئ.
اصبحت الرؤية أوضح ..انا أرى حافة العالم..انا أرى نهايته..ليست بعيدة كما تظن..إنها قريبة للغاية..ربما إن سبحنا معا لبلغناها دون عناء يُذكر.
اليوم هنا يمربطيئا لكنه ليس مملا..مشاهدة البحر و أمواجه الثائرة ثم الاستمتاع بصوت تنفسه العميق و نفاذ رائحته التركوازية الانطباع و مذاقه المالح النكهة يجدد احساسى الدائم به و يؤنسنى .
فى أسوأ الاحتمالات , إذا لم تعد يوما أبدا , ربما-فقط ان حدث ذلك- لن اشعر بالأسى الشديد..لن أصرخ..لن القى بنفسى فى أحضان هذا البحر الذى شهد انتظارى الطويل لك..لن اترك للرمال المجال لابتلاعى..
فقط ربما سأبكى قليلا..اذا استطعت البكاء..فعيناى بدأتا فى التحجر الفعلى فى المقلتين من فرط التحديق فى ذلك الخط الرفيع الذى يربط البحر بالسماء..ربما سأحاول الوصول الى ذلك الخط على رغم من صعوبة بلوغه وحدى بدونك..و لكنى إن فعلت فسأكون أول فتاة تصل إلى حافة العالم..إلى المنتهى .