الاثنين، 27 يونيو 2011

ماذا لو ؟!

ماذا لو لم تذهب الى الجامعة فى ذلك اليوم..لو لم تخرج مسرعا و لم تصتدم بها فيقع ذلك الماكيت الدقيق من بين يديها وقعة تجهز على عمره الافتراضى..ماذا لو كنت اتبعت المنهج الكلاسيكى و نزلت على ركبتيك معتذرا و أنت تحاول تجميع أشيائها المنثورة..لو لم تضحك عندما احمر وجهها غضبا بالتأكيد ما كانت لتصفعك , ما كانت جاءت فى اليوم التالى باحثة عنك فى كل ارجاء الجامعة ثم تتفاجأ  ليلا بمكالمة من مجهول ثم تعرف انها المتصلة من اختفاء حرف الراء من كلامها.
ماذا لو لم تقبل اعتذارها الحار و لم تصيرا صاحبين..ربما ما كنت لتحبها..ربما لم تكن لتهتم بحضور حفلاتها السخيفة و الامسيات الشعرية المملة التى تعجبها و تزعجك .
لو لم تهديك ذلك الخاتم فى عيد ميلادك..لو لم تكتشف انها تحب الكشرى هذا الحب العميق مثلك..انها تحب اللون الاخضر اكثر من الازرق..انها تستطيع صنع كوفية من التريكو مثل جدتك..ربما ما كنت لتحبها كما تفعل الان.
ماذا لو لم تنم أمس..ماذا لو سمعت هاتفك الجوال و هو يصرخ كى ترد..ماذا لو كنت تحدثت اليها..ربما ما كنت لتحزن عندما تكتشف اليوم انها ماتت و انك اخر شخص ارادت ان تسمع صوته.

الثلاثاء، 31 مايو 2011

اشياء صغيرة

أتعرف تلك الأشياء الصغيرة التى تستطيع  غريزياً بدون قطرة شر او تدبير دنئ ان تثير حنقك و تعكر صفو مزاجك المعكر خِلقة احيانا؟

مثلاً ذلك البائع..بائع الانابيب الذى يجوب شوارع وسط البلد قارعا يزف أنابيبه لمن يحتاج , اعتقد انه رجل طيب و لا يقصد أبدا ان يزعجنى و لكنى اريد بشدة ان اخبره ان التعليم بدونه فى مدرسة فى شارع محمود بسيونى كان ليصبح اسهل و اقل ازعاجا بعض الشئ .
ربما اذا احترم الناس التشكيل و الضبط ايضا و امتنعوا عن نطق اسم " مريم" الرائع " مريِم " بكسر الياء كنت سأفكر جديا فى تسمية طفلتى المستقبلية " مريم "..مفتوحة كما ذكرت فى القران .

لا ادرى ان كان هذا طبيعيا ام ماذا , و لكنى امتنع عن شراء ايا كان ما يبيعه محل هناك خطأ جسيم فى كتابة اسمه على اللافتة..و لكن يبقى السؤال قائما : "بتتفزلك ليه ؟! " أو اهم  " ليه تكسب اقل لما ممكن تكسب اكتر ؟! "

لا اعرف تحديدا ما يجعل فتاة فى ريعان شبابها الى الامساك ببلاك بيريها فى يدها مشهرة اياه و كأنه سلاح فتاك بينما تحمل حقيبة شبه فارغة و أكبر منها حجما .

و أظن ان استذكار ادب ثانوية عامة سيصبح اسهل كثيرا ان تم تلخيص دروسه فى جملة " اختلاط العرب بالاجانب ادى الى كل خير " .

ذلك الوقت الذى لا ترحب فيه بالضوضاء و كرد فعل مثالى يبدأ الجميع من حولك فى الكلام و الضحك و الشجار , ثم تحمد ربنا ان فلان اتصل بك لأنك تريد أن تخبره أمرا مهما..تطلب منهم الهدوء فلا يلتفتون اليك..و فى اللحظة التى تقرر فيها استغلال الضوضاء و تدرك جانبها المحمود لتقول ما لا تريد لغير فلان معرفته , يصمت الجميع و ينظرون اليك باسمين , فتبتلع الكلمتين المحشورين فى زورك و تغلق السماعة و انت تتخيل انك تشعل فيهم النار .

هذا الرجل فى السينما الذى يوصلك الى كرسيك ثم ينتظر قائلا برنة تفهم غرضها " اى خدمة تانية يا فندم ؟ " ثم ينظر اليك متأففا فى نهايو الفيلم لأنك تريد انتظار كتابة جميع الاسامى و لأنك لم تغادر الا بعد ان عرفت اسماء المصورين و المسؤول عن البوفيه و الستايليست فقط لأنك تؤمن انه من الواجب ان تعرف من شارك فى صنع الفيلم كنوع من التقدير على الأقل..اشمعنى الممثلين يعنى ؟!

و تلك الشريحة المريبة من الناس الكويسين الذين يسخرون منك لأنك لا تنطق الثاء سين..فتقول " هو نص الر(ث)اء حفظ ؟ " عادى ببراءة , و عندما تنطق القاف قافا فينظرون اليك مندهشين.. وقد تنطق تلك الفتاة القاف كافا فى محاولة لاحراجك او لتوصل رسالة قصيرة الى زميلة لها " انا أرق منك :P "..مع العلم انها تشمئز كثيرا ممن ينطقون ال " P " " B " مثلا !
و احيانا تصدمك احداهن قائلة ParPie و كأن BarBie هذا "بلدى اوى يا جماعة !"

هذه كانت عينة صغيرة من أشياء بسيطة تستطيع غريزيا بدون قطرة شر او تدبير دنئ ان تثير حنقى و تعكر صفو مزاجى المعكر خِلقة احيانا.

السبت، 23 أبريل 2011

أنا

نعم انا افضل ركوب القطار على استقلال طائرة حتى عند توفر الامكانية.
نعم انا احب السفر كثيرا و لكنى لا استطيع الابتعاد عن منزلى اكثر من خمسة ايام .
انا اذهب بكامل ارادتى و اقص شعرى قصا مبرحا على الرغم من حبى للشعر الطويل.
نعم انا اسمع " Les feuilles mortes " بشكل مبالغ فيه لأنها تعيد الىَ ذكرياتى القديمة مع اصذقاء ذهبوا بلا عودة..و ان عادوا فلا اعتقد انى قد اقبلهم من جديد , و لكنى اسمعها .
انا من ترفض الكثير من عروض الحب و تسير فى الطرقات تغنى بصوت منخفض " انا دبت و جزمتى نعلها داب من كتر التدوير ع الاحباب..."
انا كذلك من كان يقصدها صلاح جاهين حين قال " انا قلبى مزيكا بمفاتيح من لمسة يغنى لك تفاريح..مع انى مافطرتش و جعان و معذب و متيم و جريح "..و انا من كان يقصدها محمود درويش حين قال " بداخلى شرفة لا يمر بها احد للتحية " .
انا اعتقد احيانا اننى عشت هذه الحياة من قبل و ان الامر اكبر بكثير من مجرد " deja vu " كما يظن البعض .
انا من تبتسم لمن يوصل الطعام الى المنزل و انا من تتحدث مع عساكر المرور...
انا التى انشأ علاقة صداقة مع سيدة لطيفة فى سيارة مجاورة اثناء اشارة مرور طويلة..و انا ذاتها التى تجد صعوبة فى التعامل مع الكثيرين.
انا اسمع " يا نسيم الريح " يوميا عدة مرات ليس لأن موسيقى و غناء مارسيل خليفة رائعين و كلمات الحلاج تمس القلوب مباشرةً و حسب و لكن لانها تبكينى كثيرا ايضا .
و نعم انا اضحك ملئ قلبى و فمى مع انى اعرف جيدا مدى بلاهة ضحكتى.
انا التى تكتب كثيرا ما لا استفادة منه و مع ذلك لا تتوقف عن الكتابة.
انا التى قد تبذل كل جهدها فى اصلاح حياتك بينما تعجز حتى عن ترتيب جدول اعمالها اليومية البسيطة .
انا التى لن يفوتك الكثير ان لم تعرفنى و لكنك لن تندم ابدا ان فعلت .

الأربعاء، 6 أبريل 2011

موضوع نسبى ككل المواضيع

ما زلت اشعر برغبة ملحة فى نوم اطول , فأربع ساعات لشخص اعتاد ان ينام اثنى عشر ساعة او اكثر تعتبر قيلولة..و مع ذلك اريد فتح هذه النافذة لتدخل اشعة الشمس تطهر غرفتى و تزودنى بفيتامين ب ... اتخذ خطوات سريعة متحمسة تجاه النافذة  , ثم اتراجع .. اتسرقنا من قيل بسبب فتح هذه النافذة المطلة على حديقة صغرة كان بها اول و اخر شجرة زرعتها بيدى..قرر الجيران قطع شجرتى لانها تسهل وصول اللصوص للأدوار العليا ... فى الواقع عمارتنا تعرضت للسرقة مرات عدة , حتى انا لم اسلم منها فقد فقدت هاتفى الجوال بالطريقة ذاتها..اتقهرت..ليس فقط لتعلقى به او وسواس  الاحتفاظ بالرسائل او صور اخر رحلة لدريم بارك , و لكنه احساس سخيف فعلا ان تشعر انك مسلوب , منهوب , مسروق..ناهيك بالطبع عن اهمية الهاتف الجوال فى الحياة اليومية .. لقد ادركت بالفعل اننا لا نشعر بقيمة ما لدينا حتى نفقده , فالخروج من المنزل بدون هاتف كالخروج منه بدون حذاء و ذلك احساس سخيف كذلك .
اتجهت مرة اخرى الى الشباك و فتحته , فنور الشمس يستحق المخاطرة و احيانا المعاناة , و بصوت ليس منخفضا قلت " على فكرة انا مش خايفة يعنى..عايز تسرق اسرق اصلا "..بعد تمعن , احسست انه سيكون لصا يدعو الى الشفقة , ماذا سيسرق من غرفتى يا حسرة ؟!
القيت نظرة فاحصة على غرفتى العزيزة , فوجدتها بالفعل كنز كبير...
بها كتبى التى احبها و تؤنسنى ليلا.." نانيس " اقرب الدمى الى قلبى..صورتى مع اختى حين لم تكن قدمينا تصل الى الارض فى وضع الجلوس .. زجاجة العطر التى احبها و احب من اهداها الىّ ... السترة الصوفية التى صنعتها لى جدتى رحمها الله بنفسها....
على رغم من شعورى بالخوف على ممتلكاتى الغالية , لم اغلق النافذة..و نسيت فى تلك اللحظة كل ما يتعلق برحلة فينيسا , و الكاميرا الNikon D3X و الصيد فى المحيط الهادى و القبلة عند ال tour eiffel و كل احلامى الاخرى , و رأيت ما بين يدى فعليا.
ثم يأتى الشعور بالخوف..عموما ذلك الاحساس معتاد بالسبة الى..انا خائفة معظم الوقت لسبب غير مبرر بدأت استنتج انه الخوف من الفقد..عندما تتيقن تماما ان لكل شىء نهاية تدرك حجم المأساة فى بعض الحالات...
فى نظرى القليل من الخوف ليس شيئا سلبيا..على الاقل انت تدرك انه ما زال لديك ما تخاف عليه..او تخاف من فقده...
الى جانب ذلك الشعور ينتابنى الشعور بالحنين لشخص لا اتذكر ملامحه جيدا..لرائحة اخترقت انفى اثناء نومى فايقظتنى..و احيانا لمكان لم تطأه قدمى بعد...
المستفز فى الأمر , ذلك الاحساس فى الرغبة فى الرجوع و كأننى فى سفر طويل..اريد العودة الى البيت و انا بداخله اصلا..عايزة اروَّح..بس اروَّح فين اكتر من كدة ؟!
ما يجعلنى اتقبل الامر بصبر و هدوء , قصص الغربة التى اسمعها من حين لاخر..و اهو اللى يشوف بلاوى  الناس تهون عليه بلوته .
و لكن ترى من يكون صاحب البلوى الكبرى فى هذه الحياة ؟
من ذلك المبتلى الأسوأ حظا من الجميع ؟
ثم اعود و اتذكر ان الفكرة ليست فى البلوى و انما فى طريقة تعامل المبتلى مع البلوى..موضوع نسبى ككل المواضيع..
اللعنة على اينشتاين اذا !
و اللعنة على نيوتن بالمرة..ذلك الرجل بتاع التفاح الذى نجح بمهارة فى تفتيت اخر ذرة اعجاب فى نفسى بالرياضة و الحساب !

الخميس، 17 مارس 2011

ذلك المقهى

بدأ التحدث عن تجربته التطوعية فى احدى الجمعيات الخيرية الشهيرة ممسكا بأذن ذلك الفنجان الأزرق الذى يتميز به ذلك المقهى .

لم تكن تعيرنى انتباها..كنت اشك انها تسمعنى اساسا..حاولت ان احدثها عن نشاطى الخيرى الجديد نظرا لنزعة الخير التى تأن بداخلها دائما.

لم يلاحظ انى لم اكن فى مزاج رائق للاستماع و أننى انا من يريد الكلام و استمر فى حديثه .

تعمدت ان ادير لها الناحية اليسرى من وجهى لما تذكرته من كلام صديقة قديمة كانت تقول لى انه جذاب .

حاولت ان اشعره اننى لا ارحب بالحديث و اننى هذا المساء اريد ان اتكلم , فأخذت اشرب قهوتى فى بطء موجهة نظراتى الى طاولة الرجل العجوز ذو الجريدة.

اعلم جيدا انها تحب كبار السن و لكن ليس لدرجة ان تفضل النظر الى رجل غريب معه جريدة على طاولة قريبة على ان تعيرنى اذنا .

يتكلم يتكلم يتكلم..لا يكل..لا يشعر بى على الاطلاق .

صمتها يغضبنى الى حد الجنون..لا اريد شجارا.

نظر الى فى دهشة و غضب شديد يملئ عينيه متسائلا فى غباء عما بى .

ببرود جاوبتنى ان علينا المضى .

اخرج من جيبه مالا لا ادرى تحديدا قيمته و اظن انه يجهلها ايضا .

ابتعدت مسرعة , اشارت الى تاكسى ركبته , و تركتنى عند باب ذلك المقهى .


هى
هو

الخميس، 24 فبراير 2011

Flashback

ماج كبير من النسكافيه البلاك مع أمنية دفينة أنتظرها كل شتوية بأن تخضع الدنيا و تشتى ياسمين .
نعم , اعترف ان قراءة سورة الكهف يوم الجمعة فى البلكونة لها مذاق خاص , و خصوصا عندما تلحقها دعوات صادقة صادرة من الخافق التعب , و احساس داخلى بايماءة سماوية مطمئنة بأن كل شئ سيكون على ما يرام .
فى توقيت كهذا , يمتلئ عقلى بالخواطر المتسلسلة التى لا رابط بينها على الاطلاق .
فى البداية ذلك السؤال الذى يشغلنى طوال الوقت : " ترى كم شخص فى هذا العالم يفكر فى هذه اللحظة بالذات فيما أفكر فيه فى هذه اللحظة بالذات ؟ "
افكر حاليا فى طفولتى مقارنة بطفولة ابناء خالى الصغار من ناحية عقلية الجيل ليس الا..أفكر فيما يعتبره البعض براءة و ما يظنه اخرون سذاجة...و لكن فعلا , كيف صدقت أمى عندما كانت تقول لى ان العصفورة اخبرتها اننى تركت سندويتشاتى خلف الشجرة و كنت اراقب العصافير حتى امسك بتلك العصفورة الفتانة التى اطلعتها على أمرى..تلك العصفورة الحمقاء التى لم تعرف اننى تركت سندويتشاتى خلف تلك الشجرة حتى تأكل هى و أصدقاؤها العصافير.
عندما جربت حيلة العصفورة قالت لى مع ابن خالى , صدمت فى نفسى و طفولتى , فقد كان رد الفعل نظرة تحمل الكثير من معانى الشفقة و الصدمة و السخرية و نظرة تساؤلية ملحقة بها " انتِ عبيطة ؟! "
و انتقالا من طفولتى الى مرحلة شباب متقدمة لم تحن بعد..شعر طويل و رجيم قارس دائم للحفاظ على تلك الصورة التى قفزت فى بالى فى هذه اللحظة..أظن اننى شأظل ذائما أحب اللونين الأبيض و الأسود فيما يتعلق بالملابس...ربما سألجأ الى الكعب العالى..على الانسان ان يتجاهل الألم اذا أراد ان يحظى بالقليل من الاعجاب بنفسه .
و مع رشفة نسكافيه عميقة  ارجع بتفكيرى قليلا , فأتذكر د.أحمد بدران ! الحقيقة اشتقت اليه كثيرا...كان على عكس ما يرى الجميع بما فيهم الممرضات , كان شخصا لطيفا..بغض النظر عن ردوده الحادة و قلة صبره و دخوله ملطخا بالدماء غرفة العمليات مطالبا اياى بالصمت " عشان يخلص " , فقد كان ينادينى " كوكو " و هذا كافى لافتقاده .
حياة الانسان بعد العمليات الجراحية ليست سيئة كما اكتشفت..تكون قد عرفت من يكترثون لأمرك حقا , تدرك كثيرا قيمة الحياة التى كادت تسلب منك , تعود لأكل الجبنة الرومى و الجمبرى بلا خوف و كأنك تأكل لأول و اخر مرة , و حصل على الكثير من الورود و الهدايا .
لا تزال هناك وردة من بين تلك الورود المهداة الىّ فى كتاب لا تحزن الذى كان ضمن أجمل هدايا ما بعد العملية .
"ترى كم شخص يتلقى الورود فى هذه اللحظة؟ " " كم شخص ينتظر ان يبعث احدهم اليه وردة ؟ "
اتذكر كلامى مع أول صديق أخذ رغبتى فى ان يبعث احدهم لى جوابا على محمل الجد , و أول صديقة تقوم بهذا الأمر من أجلى و ترسل الىّ واحدا...يزيد احساسى بالامتنان الدائم الى رحمة الله و شدة لطفه و يزيد طرديا معه احساسى بأن واجب الانسان تجاه نفسه ان يتمسك بأى ذكرى تجعله يبتسم .
من المؤسف ذائما ان تفكر فى وجع الحياة و لكنك احيانا تتصبر بيقينك بأن هناك شخص ما فى مكان ما فى هذا العالم يبحث عنك انت .

الأحد، 9 يناير 2011

أم صلاح

كم انت جميل يا صلاح ! أنت تبهرنى بالفعل !
كنت ابن الثلاث شهور و كنت كثير الابتسام و الضحك..كنت أخف ظلا حتى من عمك مصطفى زوج خالتك المشهور بنكاته و خفة دمه و روحه المرحة برغم كثرة مصائبه و حالات الوفاة المستمرة فى عائلته .
و عندما اصبحت فى الخامسة , كنت محترفا فى تقليد الممثلين و الاعلانات و المشاهد السينمائية , و قد اهتم والدك بذلك كثيرا  و أخذ يصطحبك معه الى اصدقائه و يريك أفلاما و مشاهد و يقص عليك قصص و شعر. لم يخطئ عبده فى تسميتك صلاح , اختاره لك تيمنا بصلاح جاهين و خاصة عندما ولدت مبتسما, ممتلئ الجسم , طفولى الوجه و الحركة .
و ها انت فى الثانية عشرة من عمرك يا صغيرى , تكتب قصصا و شعرا و تقرأ و تطلع و لم تتغير أبدا صفاتك المرحة الجميلة .
كنت و لازلت كأى أم أحب ابنى و اخاف عليه...حسادك كثيرون يا صلاح و ليتك تدرك ذلك يا عبده...لا يحضر صمتا الا و طردته على الفور بحديثك عن مواهب ابنك المتعددة , اعلم انك تكره ذللك يا بنى , و لكنى أم , و أخشى ان يصيبك مكروه..أنهك الى عدم اطلاق النكات عندما نكون عند عمتك نيرة , و أحذرك من الحديث مع خالتى عزة التى لا احفاد لها , فابنتها الوحيدة لم تنجب و كان ذلك سببا فى طلاقها .
و مع ذلك لا تهتم , و تكمل مزاحك و شعرك و قصصك , غير مبالى بالعواقب , ز يشجعك أبوك .
أتيتنى ذات يوم بورق و طلبت منى الاطلاع عليه , و كم كانت دهشتى..انت تكتب عن الحب يا صلاح !..كنت سعيدة بكتابتك تلك , و أسلوبك الشيق الذى أعجبنى و أعجب الجميع...و لكننى خفت .
انت تكبر سريعا -ما شاء الله - و لا تعطينى فرصة لادراك ذلك و استيعابه كما ينبغى..هلى تحب فعلا و تنقل لى معاناتك على الورق؟..ليتك تشرح لى و تريح قلبى...لا تخجل من امك يا ولد ّ احكى لى عن حبك..هل تكون ابنة الحاج عصام جارنا ؟ أم تلك الفتاة التى تسكن مع جدها و جدتها فى الطابق الخامس ؟..و لكن لا , هذه الفتاة قبيحة جدا و انا اعرف ان ذوقك فى النساء جميلا كما هو ذوق ابيك .
كنت أعرف انك برغك ثرثرتك المعتادة مع من تعرف و من لا تعرف , انك لن تبوح بشئ , حتى عندما دفعت ابيك الى غرفتك ليسألك , و طلبت منه ان يخبرنى بكل حرف تفوهت به .
خفت اكثر عندما وجدتك تتحدث الى عمك مصطفى مواسيا , و انت تقول له ان الموت رحمة من الله و حق على الجميع و انك لا تخشى الموت ...لم نستطع , لا انا و لا زوج اختى , ان نفسر سبب كلامك..مالك تتكلم و كأنك تناجى الموت نفسه يا صلاح؟!..ما كان يجدر بى ان اقول ذلك..انا اسفة يا حبيبى , ربنا يعطيك عمرا طويلا سعيدا يا بنى .
كنت تزداد غموضا كلما كبرت , و لم اعد انا , المرأة التى اكتفت بتعليمها الثانوى , استطيع فهم ما يدور فى خلدك .
كنت كلما شكوت لأبيك حالك , نبهنى الى اختلافك..انت مختلف..انت افضل..
كان ينهرنى عندما الح فى الشكوى و اتمادى تارة , و يربت على كتفى قائلا " لا تقلقى على صلاح يا ام صلاح " تارة .
الشئ الوحيد الذى لم يتغير فيك يا صلاح , هو روحك الفكاهية , حتى بعد وفاة عمك مصطفى , و حزن العائلة كلها على فقده , و حالة خالتك المسكينة التى أقامت معنا بالبيت , و يعد هذا الشئ الوحيد الذى روى فى قلبى الاطمئنان الذابل و انعشه .
و ها هى احلام ـاتى لتحص ذلك الاطمئنان لتضعه فى قلبك و تجعلك تأتى الى فى ذلك اليوم فى هدوء غير معتاد , انك تحب و انك تريد الزواج..فلا اتمالك نفسى و أجلس ابكى فرحا و انقباضا و خوفا و فرحا .
و ها نحن اليوم بطوله نزغرد , نعلق الزينات , نستقبل التهانى من كل حدب و صوب , فرحين لفرحك يا عزيزى .
قضينا عمرا جميلا معا يا صلاح , و ها أنا اسلمك بيدى لأحلام لترعاك , و انا اعلم انها ابنة حلال , ذات نسب طيب , و ستكون أما صالحة لأولادك ان شاء الله .
أوصلناك الى المنزل , انت و زوجتك , منذ قليل و شريط حياتنا معا يعيد نفسه فى الذاكرة...و لكن لم الحزن؟..فما زال للشريط بقية .