الخميس، 3 سبتمبر 2020

حديث الريحان

 أخبرني أونكل جمال في لطف ممزوج بالقلق وأنا ألعب ذات يوم أمام المرآة أمثل مع نفسي مدعية أني سيدة أعمال فاسدة تقرر الهرب خارج البلاد أن المجانين فقط هم من يكلمون أنفسهم, وسألني أن ربما أجرب اللعب بدمى الباربي مثل أي بنت في السادسة ولكني لم أشعر بالإهانة إلا عندما سمعته يقول لبابا أني زي بنته وأنه من الأفضل تغطية هذه المرايا أحسن اللهم احفظنا.
تذكرت أونكل جمال في ازدراء في كل مرة رأيت فيها عم إبراهيم الجنايني. يقف بجلباب رمادي أو بني أحيانا, نحيفا قصيرا, يجرب اندفاع الماء من الخرطوم على يده قبل تصويبه نحو الأعشاب النامية القصيرة ويحدث الشجر بصوته الخفيض الذي يشبه كثيرا صوت قريب طيب يعيش في البلد أو شيئا مثل ذلك, قائلا أشياء قد يقولها أب يطعم صغاره. كنت أحب صوت ماء الخرطوم وهو يخبط برفق تلك الأوراق الصغيرة الخضراء وصوته, فكنت حين أسمعه من البلكونة ألبس "سابوه الطينة" الذي خصصته ماما للجنينة وأجري على الدرج لأشاهد مشهدي المفضل وأنا أشعر بأن أونكل جمال أكيد حمار.

"عم إبراهيم هما اللي بيكلموا نفسهم مجانين؟"

فيضحك قائلا أن الإنسان الطبيعي لابد أن يكون بينه وبين نفسه حديثا وإلا أصبح مجنونا, فأسأله مداعبة:

 "واللي بيكلم الزرع؟"

فيقول لي أن النبات يسمع ويتنفس ويعيش مثلنا, وأنه كلما عاملناه جيدا أزهر وأعطى ثمرا وإن أسأنا إليه غضب وتضاءل وأصبح لا فائدة منه, ثم أخذ يدي ومررها على عود قصير جدره في التربة وطلب مني أن أربت عليه وأقول له قولا طيبا فلم أجد شيئا إلا أن سألته إن كان سعيدا في حديقتنا لكنه لم يجب وكنت أعرف أنه لن يفعل فنظرت إلى عم إبراهيم في تحد  لكنه أشار إلي في ثقة لأضع كفي على أنفي.

كانت رائحة ذلك العود تذكرني كثيرا ببلكونة تيتة والتي كانت مكاني المفضل في بيتها اللطيف المليء بالروائح الطيبة, وقد أخبرتني ماما أنها الآن في مكان أوسع وأجمل وبه حدائق مهولة. لابد أنها مليئة بتلك العيدان القصيرة الجميلة التي يرويها عم إبراهيم أو ربما أبويه, فأنا أعلم أنهما ذهبا إلى حيث ذهبت جدتي.

"دة كلام الريحان, كل ما تكلميه يطلع ريحة حلوة".

منذ ذلك الحين وحتى الآن وأنا أزرع الريحان في الجنينة وأحادثه وأنا أشفق على أونكل جمال وأشباهه الذين لم يتسن لهم أن يستمعوا إلى حديث الريحان.

الخميس، 9 يوليو 2020

النافورة

وقف الرجل ثابتاً لحظات وقد أراح كفيه على كتفي صغيره ثم تسللت أصابعه تحت إبطه، رفعه إلى أعلى في تصميم وقد أخذ الصغير ينظر حوله في بلاهة بينما أخذت قدماه في الارتفاع حتى أصبحت في مستوى أنف أبيه، ثم في حركة مباغتة ألقى الأب بالطفل وراء ظهره ليرتطم بمياه النافورة الكبيرة في هدوء لا يقطعه سوى بعض البقللة التي سرعان ما سكنت وكأنما ألقى الرجل لتوه سنتاً أو قرشاً معدنياً بيده اليمنى من فوق كتفه الأيسر لتحقق له جنيات النافورة أحلامه فتحبه بنت الجيران أو تختفي زوجته فجأة من الوجود أو يجد بطاقة من بنك الحظ تقول "مبروك ربحت مائة مليون دولار بمناسبة عيد ميلادك".
لم يلتفت الأب ليتفقد ما حل بولده في النافورة بل وضع يديه في جيبي بنطاله ومشى.
في فجر اليوم التالي، وقفت السيدة تربت على ظهر رضيعها النائم وهي تحدق في مياه النافورة وكأنما طفى على سطحها انعكاس نرسيسوس. أخذت تبعد ابنها  تدريجيًا من على كتفها وقد بدأ يقلق ويتفوه بما يتفوه به حديثي الولادة من أصوات ثم بحذر، وضعته على  سطح الماء، طفى لوهلة ثم بدأت مياه النافورة تغطي وجهه شيئاً فشيئاً في هدوء حتى اختفى.
توافد بعد هاتين العديد من الحوادث المماثلة حيث يأتي رجال ونساء بأطفال مختلفي الأعمار والأشكال يلقون بهم في تلك النافورة الضخمة ثم يمضون وكأنما قد وقع قرش معدني من جيبهم الخلفي فلا تذكر إحداهن لجارتها ما حدث ولا يسأل أحدهم زميله في العمل عما يعتقد، تسير الحياة كما سارت دائماً، ربما فقط أكثر صمتاً فلا تسمع ضحكة بعيدة ولا نحيب.

الخميس، 18 يونيو 2020

آيس كريم ليمون بسكوتة

كان ذلك أول سكوتر في حياتي، معدني اللون برقعة مطاطية زرقاء حيث أضع قدمي، أتأرجح به يمينا ويسارا أمام ماما فأسبقها أمتارا ثم أعود إليها من جديد، أدعها تتجاوزني حتى لا أرى سوى لون فستانها الأزرق فأضرب بقدمي اليسرى الأرض لألحق بها في ثوان. كان شغلي الشاغل في ذلك الوقت هو شعري وهو يطير بعنف للخلف وبعض ذرات الملح التي يأتي بها هواء الشاطيء لتستقرعلى شفتي وألا يعترض طريقي أحد. في الغالب لم يعترض طريقي أحد، ربما فقط ذلك الولد الذي أراه في النادي في الصباح على البيسين، يركب عجلة الكبار تلك التي بدون سنادات، يمر بجانبي بسرعة لم يصل إليها السكوتر ويرن ذلك الجرس ويترك الجادون ليضع يداه خلف رأسه في ثقة. بابا يقول أنه سيقع على وشه وأنا أصدقه فلا أحد يركب العجل أحسن من بابا. 
كان ذلك قبل أن تأتي بنت خالة ماما وأولادها للعجمي لقضاء أسبوع معنا. كان ذلك خميسا في شهر يوليو، الخميس الذي انهار فيه روتين حياتي الصيفية التي لا أحب أن يعبث بها أحد. فبدلا من أن أستيقظ وقت ما أحب، يهزونني هزا في التاسعة صباحا من أجل الإفطار، لا يحبون السباحة في الغريق لأنه بتاع الكبار، ولكني أعرف أن الحقيقة هي أنهم جبناء ليس إلا، وطبعا كلما حاولت التسلل لأعوم هناك يجرونني جرا للعب معهم بالكرة وأنا لم أكن أحب الكرة.
 في العادي كنت آكل طبقا من البطاطس المحمرة في النادي وأشاهد ذلك الولد وهو يلعب الفيديو جيم، ولكنهم لا يفضلون أكل النادي فيقتطعون من وقت البيسين ساعة للعودة إلى البيت والاستحمام وتحضير الطعام. أعود والدموع في عيني لكنى أرفض رفضا قاطعا أن أستحم بالمايوه مع بنت خالتي دفعة واحدة بحجة السرعة وعدم الانتظار فأبقى بالكاش مايوه في البلكونة أبحلق في الأفق وأتخيل كل ما فاتني من فيديو جيم اليوم،  بينما تقول لي خالتي أن الكلور سيأكل جلدي. 
اعتدت أنا وماما أن ننزل بعد آذان المغرب للكورنيش، حيث ألف بالسكوتر ثم آكل الذرة التي أبتاعها من طنط علية، نعود حتى محطة الطفطف، ندخل كشك الأهرام حيث تحضر أمي الجرائد لجدو وأختار أنا عددا من المكتبة الخضراء أو صرخة الرعب لأكمل المجموعة. طبعا منذ تشريفهم، قيلولة حتى الثامنة ثم ننزل لنلف حول المحلات، يقيسون الملابس، يجربون الأحذية، يتناقشون، يفاصلون ولا يبتاعون شيئا وأنا أسير إلى جانب ماما، أحاول أن أبعث لها رسائل سرية بأنني لا أريد هذا، وأنني فقط أريد بعض الذرة وشوية الهواء الذي يطير شعري إلى الخلف.
إلى أن جاء يوم الأحد، عندما حان الموعد اليومي للف على المحلات، وقفت على باب البيت وقد وضعت قدمي على السكوتر، وشوشتني ماما أنه ماينفعش لأن لا أحد غيري معه سكوتر عيب، لكني قررت إما السكوتر أو أقضي السهرة مع جدو وعمو مكرم وهما يلعبان الطاولة.
لماذا لا نشعر بالارتياح الكامل عندما ننفذ شيئا لم توافق ماما عليه؟ هل سأقع اليوم على وشي مثل الولد ذي العجلة لأنني لا أسمع الكلام؟
كنت قلقة، يدخلون المحل وأنا ألف أمام بابه بالسكوتر، يخرجون فأبقى بمحازاتهم، يدخلون مكانا جديدا فأدور في الخارج وهكذا، هكذا حتى سمعت ذلك الجرس الذي أعرفه، أخذت السكوتر وقررت أن أسبقه ولو مرة واحدة.
عندما لمحني خلفه ترك الجادون كعادته وقد فرد ذراعيه على كل جانب وكأنه طائرة، فأخذت أضرب الأرض أكثر وأنا أشعر بالهواء يخبط أذني بشكل أعنف من أي وقت مضى، اقتربت كثيرا منه، يطلع قليلا للأمام فألحق به وقد شعرت بالتوتر في حركته، أرجع يداه على العجلة و رفع مؤخرته قليلا من على المقعد وأخذت ساقاه تدوران حول البدالات في دوائر كالمروحة حتى ظننت أن له ١٠ سيقان.
حاولت أن أفعل مثله، أجري وأجري ولكني لم أعد آراه، فهو ينساب بين الناس يمينا ويسارا وكأنه ثعبان. توقفت في تلك اللحظة وأدركت أنني لست مثل الكبار الذين يركبون عجلات بلا سنادات، ليس بعد. عدلت اتجاه السكوتر لأعود لماما وخالتي، أخذت أتقدم وأنظر إلى يميني لأرى محلات لم أرها من قبل، لا أذكر بالتحديد في أي واحد هم؟ بدأت السير وقد أمسكت السكوتر في يدي كأنه حمار صغيرآخذه إلى نزهة، أطل برأسي داخل أي محل يقابلني بحثا عن ماما أو خالتي أو طنط علية بتاعة الذرة.
أعتقد أني وصلت لأرض لم تطأها قدمي من قبل، أنا لم أكن هنا أبدا من قبل. أخذت المشاهد تذوب في دموعي فلا أستطيع تمييز أي شيء سوى الألوان وأنا أفكر أن جدو هناك في البيت يلعب الطاولة مع عمو مكرم، ألم يكن من الأفضل أن أبقى معهم؟
أخذت الدموع تسيل من عيني، ماما معها كل المناديل حتى، أما أنا فلا شيء معي، سوى السكوتر اللعين.
قال لي بابا ألا أذهب مع أي حد يديني حاجة حلوة، أذكر ذلك جيدا ولكني لم أستطع أن أقول أي شيء، فقط أخذت أبكي عندما ناداني ذلك الرجل من عربة الآيس كريم. قال لي أن اسمه حسن وسألني عن اسمي ثم سألني عن مكان ماما وبابا فأخذت أبكي أكثر.
أجلسني عم حسن على العربة وكأنني علبة آيس كريم، "أنت عارفة، أنا تهت من ماما زمان في البحر، كنت باعوم وطلعت مالقيتش الشمسية بتاعتنا."
حكى لي عن كيف وجدته أمه، وأن ماما تجد دائما الطريق إلينا، علينا فقط أن نهدأ ونثق أنها تبحث عنا الآن وستجدنا، ولكننا لا نريد أن ترانا باكين منكوشين هكذا أليس كذلك؟
سألني عن نوع الآيس كريم الذي أفضله فأجبته من بين الشحتفات "أن أن أنا  باحب ال  ال الليمون"، فضحك وقد بدأ يبلل ملعقته الكبيرة في كوب من الماء قبل أن يكور كورة عملاقة من آيس كريم الليمون. "بسكوتة ولا كوباية؟"، فقلت أني أحب دائما آيس كريم الليمون في بسكوتة. 
لا أدري كم الوقت قد مضى، أعتقد أني لبضع دقائق كنت قد نسيت أني ضائعة في نقطة لم أعرفها من قبل على شاطئ لم أعد أعرف أين هو، فقد كان عم حسن لطيف فعلا، يركب الدراجات بلا سنادات ولا يغادر البيسين قبل الصفارة ويحب السباحة في الغريق.

الجمعة، 8 مايو 2020

هل تمنيت لأحدهم الموت اليوم؟

بدأ الأمر في تانية حضانة عندما أمسكتني مدام ولاء من أذني حتى ارتفعت قدماي عن الأرض شبرا لاعتقادها الظالم أن ياسمين ماجد تبكي إثر لكمة سددتها أنا إليهاز حاولت شرح حقيقة الموقف وأن وجودي في مسرح الجريمة هو من باب المصادفة فلم تسمع. أذكر أن ذلك اليوم, بعد الغذاء وقبل أن أشرب النسكويك, كنت بالفعل قد امضيت خمس دقائق كاملة على الكنبة أفكر في احتمالية أن أدخل المدرسة صباح اليوم التالي لأجد وجوه الجميع واجمة وقد دق الجرس المشئوم, فألتفت إلى إحدى الزميلات على يميني وأسألها فتهمس في أذني "مدام ولاء ماتت".
فعلت الشيء نفسه في رابعة ابتدائي عندما بدأت مدام نادية بمناداتي "ميمونة" حيث أن "مي" في اللغة العربية تعني قردا صغيرا أو أنثى القرد أو أيا كان في عالم الحيوان (مع الاعتذار للقرد وعالم الحيوان, لا أجد الأمر كله مهينا إلا لأنها تعني أن يكون مهينا, أحبكم). لم أفكر آنذاك إلا في حتمية أن تكون مدام نادية امرأة تعيسة تكره نفسها ويكرهها الآخرون وتصورتها وهي تصعد على منصة من خشب كتلك التي كان  يصعد عليها المحكوم عليهم بالإعدام علنا في الساحات في وقت سابق وأذكر أنها كانت تبكي في أسف وتعاسة.
ثم جاء في وقت لاحق, كنت في تانية ثانوي وقتها, سواق التاكسي الأربعيني المتحرش, بلا أي ملامح مميزة لكنه ثرثار مزعج, من النوع الذي لا يتحمل الصمت أكثر من ثلاث دقائق. بدأ حديثه عن زوجته الجميلة القمر والتي عادت من جديد للدراسة بعد انقطاع دام عدة سنوات, فما كان بي إلا أن قلت عبارات من نوع " أوه هايل" و"ياه برافو", ثم انحرف مسار القصة في اتجاه آخر يأتي فيه جارهم الشاب الأعزب مفتول العضلات لمساعدتها في دروسها الكثيرة وحيث أن زوجته لا تستطيع التركيز إلا في غرفة نومها على سريرها فقد كان هذا مكان الدرس الأسبوعي. هنا أذكر جيدا أني أخذت أتأمل الزحام من حولنا وأحسب الوقت المتبقي حتى تنتهي هذه الرحلة اللعينة, كان أمامي حوالي خمسة عشرة دقيقة حتى أصل لمكان درس الكيمياء في ترويمف وقد تخيلت نفسي وكرامتي تبعزق يمينا ويسارا عندما أصل متأخرة لكني وضعت المبلغ المطلوب على الكنبة وفتحت الباب ونزلت عندما خرجت الأمور عن السيطرة وبدأ في الفصل الثاني من حكايته وهو تفاصيل ونوع الدرس بين زوجته والجار الشاب. ليس لدي أدنى فكرة حتى الآن ما كان هذا ولماذا وأي متعة قد حصل عليها بقصته وماذا توقع أن يسمع كرد فعل راكب غلبان ذاهبا لدرس الكيمياء. لن نعرف الإجابة الأكيدة ولكن ما هو أكيد أني أمضيت ما يزيد عن الساعتين أتخيله يجري جريا كاريكاتيري وكرشه يتأرجح أمامه هربا من أحد خزنة أبواب جهنم, يصرخ ويتوسل له أن يتركه لكن الحارس يمسك بكاحله فيرتطم رأس السواق بالأرض ثم يطيح به من فوق سور ضخم وتمضي بضع ثوان ثم أسمع التشششش فور ابتلاعه في الجحيم.
مرت سنوات إلى أن ضحك أحد أساتذتي في الجامعة بازدراء وهو يلقي نظرة على بحث قمت به ثم ألقى به في باسكت الزبالة. أعدت كتابة البحث وأسلمته إياه من جديد, نظر إليه وهو غالبا لا يذكر من فعلته شيئا فلا أظن أنها كانت بسبب ثأر شخصي بيننا, ثم نظر إليّ وابتسم وقد قبل الأوراق. تلك المرة عقلي الباطن قام أوتوماتيكيا بالمهمة فقد رأيت فيما يرى النائم, الأستاذ المذكور مربوطا في شجرة عملاقة ذات أشواك ضخمة وقد أنهلت أنا عليه رميا بالملفات المكتبية الضخمة.
منذ ذلك الوقت وحتى شهور قريبة, لم يحدث أن نشط عقلي الواعي أو الباطن في مجال البحث عن انتقام مناسب, أصبح الأمر مربوطا ببعض البرطمة أو بشتيمة ألقيها هنا أو هناك ثم يتلاشى الموقف برمته إلى صندوق في مؤخرة رأسي أضع فيه ما لا يثير اهتمامي, إلى أن استعدت قدرتي على الانتقام الافتراضي, فحاليا, أتأكد قبل أن آخذ الدواء وأنام أن أتخيل أحدهم وقد شق صدره فسقط منه قلبه على أرض شارع واسع مليء بالمشاة والسيارات, ينبطح أرضا متأوها وهو يمد ذراعيه يتحسس الأسفلت بحثا عن القلب الذي وقع, يجده قريبا فيسارع في الزحف متألما إلى أن يكاد يلمسه بيده فيطيح به أحد المارة غير مكترثا فيتدألج مبتعدا, فيبدأ الزحف للاتجاه المعاكس لتتكرر نفس المعاناة كلما اقترب من قلبه وهكذا في عقاب سيزيفي حتى يشفق عليه أحد آلهة الإغريق ويرد له قلبه أو يقتله.

السبت، 11 أبريل 2020

الحزب النازي المصري

بدأ الأمر كله عندما أتى جوبلز لزيارته منذ عشرة أيام. لم يستضف هتلر و إيفا أحدا سواه لسنين, يأتي دائما وبيده 6 pack من البيرة وربما فيلما لوودي آلان الذي يسخر من نفسه ومن عشيرته اليهود ليضحك هتلر شاتما العالم أجمع. ذلك اليوم, فتحت إيفا الباب لتجد جوبلز ممسكا بجريدة بدلا من البيرة وعلى وجهه أمارات الجد.
أغلق هتلر وجوبلزالغرفة عليهما وقد توسطت الجريدة المكتب, مفتوحة على صفحة بها عنوان "الحزب النازي المصري". لوهلة شعر هتلر برغبة في الضحك لكنه سرعان ما تأثر تأثرا شديدا من رد الفعل المصري لقيمه النازية التي بددها الألمان الجدد الأغبياء, هؤلاء الذين يجدون في اسمه عارا ويحاولون محو تاريخه. استمر اجتماع هتلر وصديقه ما لا يقل عن 6 ساعات ولم يخرج جوبلز من غرفة المكتب إلا بعد أن اتفقا على خطة جديدة.

وصل هتلر صباح يوم الخميس الثلاثين من شهر أبريل إلى ميدان كبير به مسلة طويلة, اتبع مترجلا تعليمات الGPS ليجد نفسه أمام مبنى كبير بألف شباك ولا يقل عن 14 دورا. طبقا لتعليمات جوبلز, سيجد قائد الحزب النازي المصري السيد علي عبده  في هذا المكان والحقيقة أن المبنى لا بأس به كمقر للحزب, لطالما كان واثقا أن النازية ستستمر وهذا دليل على أنه كان محقا وما زال على حق.
دخل هتلر والجريدة في يده, يمشط شعر شنبه بإبهامه ثم يمرر كف يده على شعره اللامع وهو ينظر حوله في زهو..هل يعقل أن لمصر هذه القاعدة المهولة من النازيين؟ كل هؤلاء البشر مختلفي الأشكال والأحجام يؤمنون بما دعا إليه لسنوات؟ 
أخذ يبتسم للمارة الذين يحدقون به ويحييهم بيده وهم يضحكون في وجهه, يالهم من تابعين أوفياء.
أخذ يدور باحثا عن مكتب السيد علي عبده يمينا ويسارا لكنه لم يعد مسيطرا على حركته, أصبحت موجات البشر تحدفه يمينا ويسارا وترفعه من على الأرض وتقذف به بعيدا في ديناميكية غريبة لم يستطع فهمها.
قرر أن يسأل عن مكتب القائد الأعلى ليقابل بضحكات لا معنى لها وأسئلة وجودية عن ما يريد وقالك فين وأشياء أخرى لم يستطع إستيعابها تماما. نصحه أحدهم أن يقف في الطابور في صمت ويجهز أوراقه, فضحك في تواضع مصطنع أنه لا يحتاج لذلك كله, فقط أبلغوا السيد عبده أن هتلر هنا. نظر إليه الرجل ضاحكا في قلق "هتلر آه..لا اطلع الدور الرابع بقى".
ربما يظن المرء أن الطلوع للدور الرابع أمرا عاديا, أو هكذا ظن هتلر, لكن لم يكن ذلك بالأمر الهين, فأثناء صعوده السلالم داس على قدمه ما لا يقل عن أربعة مواطنين أشقياء بينما ركله أثنان آخران وقلد مشيته شخصا وهو يأمره بالإسراع لأن مصر كلها خلفه. نظر هتلر خلفه ولم يستطع تبين إن كان ذلك صحيحا, لكن يبدو كذلك فمصر كلها هنا, وقبل أن يمنحه الكون فرصة لينظر أمامه من جديد انكفأ على وجهه لتصطدم جبهته بدرجة السلم ويسيل منها خيطا رفيعا من الدم, أعطاه شابا منديلا غارقا بالعرق كان يمسكه بيده ليسمح رأسه به وقد بدأ هتلر يشعر بالاختناق. أخذ يترنح ممسكا بالدرابزين ليقع في حجر بائع أقلام بفترش الطرقة, يعرض عليه الرجل أقلاما زرقاء وهو يقسم له أنه سيحتاجها وسيندم إن لم يشتر, فسأله هتلر وهو يمسك برأسه إن كان يعرف مكان علي عبده فيضحك الرجل كاشفا عن سنتين وحيدتين في فمه وصدرا يعج بالتراب والمرض "مش تقول كدة من الصبح؟" ثم بصوت عال وكأنه في غيط أبيه ينادي على علي ليأتي شاب شديد النحافة, يبدو على وجهه آثار سوء التغذية والحشيش, يضع تحت ابطه صينية وهو يعد جنيهات في يده ليخبره البائع إن الباشا كان عايزه فيطلب علي من هتلر ألا يؤاخذه, سيعد الشاي لمدام عفت ويلم طلبات الإفطار من الدور ويعود إليه حالا.
أخذ هتلر ينظر إلى شبشب علي عبده وهو يزحف مبتعدا وإلى العنوان الذي أعطاه إياه جوبلز وهو يفكر في أن اليوم ربما يكون من أسوأ أيام حياته بعد معركة الثغرة. قائد النازية المصرية لا يمثل سوى كل ما ترفضه القضية والانتخاب الطبيعي حتى, ومقر الحزب النازي المصري, أمله الأخير, لا يصلح إلا لأن يكون معسكرا لاعتقال من فيه وحرقهم أحياء.
ترك هتلر نفسه للتيار البشري كريه الرائحة ليرميه في كل الاتجاهات دون مقاومة حتى لفظه خارج المبنى.

رفض هتلر الرد على مكالمات جوبلز وقضى بقية يومه في القبو ينظف مسدسه إلى أن تركت إيفا المكرونة على النار مسروعة وتوجهت إليه بعد سماع الصوت المدوي لتجد جثته على الأرض.

الخميس، 21 نوفمبر 2019

دليل السيد/ السيد حامد للبقاء على قيد الحياة

كيف استطاع السيد/السيد حامد البقاء حيا حتى الآن؟

لا علاقة لهذا السؤال الاستنكاري التعجبي بشعره الذي يشبه سحاب اليوم المشمس أو بالبقع الداكنة على يده شديدة البياض والكرمشة. ربما له علاقة غير مباشرة بأنه لا يسمع جيدا, أعني أنه بالفعل قد أخبرني بهذه الحقيقة بعد أن طلبنت منه نزول النفق, والذي - كما هو واضح- لم ننزله.
 ربما ارتباط الحقيقة السابقة بملاحظة لاحقة, وهي أنه أغلب الظن لا يرى كما ينبغي أيضا. كثيرا ما نغمض أعيننا عندما نستشعر الموت قريبا, مثل أن يقفز أحدهم من على الرصيف ليقذف بنفسه في منتصف الطريق أمام السيارة التي تبعد عنك مائة متر, لكننا لسبب خفي نؤمن أننا حين نفتحهم سنجد هذا المار ملعونا أو مشتوما لا قتيلا غارقا في الدماء على الأسفلت. 
مع السيد, المغامرة أشد إثارة, فهو لا يرى تماما, أعتقد أن حاله كحالي قبل الليزك. ينظر إلى الأشياء كفكرة مجردة, يستشعر روح الشارع لكنه لا يراه بالضرورة. مع ذلك يجب القول أنني لم افكر لثانية أن أعمل سائقا لأوبر قبل الليزك.
يتحرك السيد بثقة دليل الصحراء الذي يحفظ منحنيات الجبال وكأنه ولد بها رضيعا, آخذا غرزة هنا ثم أخرى هناك, بينما تفكر أنت وقد التصق خدك في الزجاج في معنى "إنا إلى ربنا لمنقلبون" وإن كان هذا الدعاء حرفيا مناسبا للأحداث.
يذكرني السيد حامد بالطفل في " Baby's day out". منطقيا وبشكل علمي, كان الفيلم لينتهي في أول نصف ساعة عندما يبدأ الطفل محاولاته الانتحارية في الشوارع والمواصلات ومواقع البناء وأكياس الخضار, لكنه دائما ما يخرج من بين الأنقاض حيا مبتسما غائبا تماما عن حقيقة أنه كان سيصبح قطعة من اللحم الميت لولا ملاكه الحارس الذي يرتعش جناحاه من جرعات الكافيين المركزة التي تبقيه يقظا لإنقاذه.
في النهاية, عندما أصل العيادة متأخرا نصف ساعة لأننا لم ننزل النفق, أتمنى ألا يتخلى الملاك الحارس عن السيد السيد حامد, فقط أتمنى أن ينصحه بعملية الليزك.

الخميس، 7 نوفمبر 2019

يوميات الحاج إسماعيل كامل

يستيقظ الحاج إسماعيل كامل كل يوم في السادسة, لم تستطع زوجته المغفور لها الحاجة سميرة تغيير هذه العادة عند طلوعه على المعاش ليبقى الحال على ما هو عليه.
يتحسس الحاج إسماعيل ساعة يده التي يضعها على الكومودينو بجانبه كل صباح مزهوا بدقة ساعته البيولوجية. في بداية كل يوم, يبقى ممدا على ظهره في السرير منتظرا خروج سميرة من الحمام ليدخل هو, لكنه سريعا ما يتذكر فيقرأ الفاتحة ويمسح على وجهه بكفيه. في الشتاء, يربط بإحكام حزام الروب الأزرق الكاروه حول جسده الآخذ في النحول وهو يشعر أن ربما ليلى معها حق حين تنظر إليه في حسرة مشوبة بالغضب قائلة "أنت مابتاكلش خالص يا بابا".
دائما ما ينسى نظارته المربعة ذات الإطار الذهبي ويتسائل في تعجب وقلق حقيقين, لماذا لا يرى الأشياء مع أنها بالقرب الذي يمكنه من لمسها بطرف أنفه إن أراد؟
 يرتدي نظارته في امتنان ويبدأ في لعبته المفضلة, اختبار نظره, قارئا أكثر السطور ضآلة في جرنال اليوم ثم يخلعها ناظرا إليها مصدقا أن "الإنسان عمل كل حاجة".
يمد يده إلى الراديو ويرفع الصوت إلى الحد الذي يؤنسه في المطبخ, وفي الوقت نفسه لا يزعج الدكتور عبد الحميد جاره الذي يقابله كل ثلثاء ليلا للعب الطاولة وهو يفكر كعادته اليومية "يا ترى فين الترانزيستور؟".
يضرب كفا بكف وهو يشم طبق الجبن القريش بالطماطم الذي تعده له أم ريماس وتتركه في الثلاجة بعد أن تنتهي من غسيل المواعين وترتيب الشقة. يجد الحاج إسماعيل أكل أم ريماس يبعث على البؤس لكنها طيبة, وربما تكون هي من أخفت الترانزيستور, فهي ترمي ما يعوق طريقها في أي درج, حتى أنه وجد سيارة سليم الحمراء الصغيرة بين جواربه.
كان هذا الترانزيستور بداية كل ما يفخر به الحاج إسماعيل, فهو يحكي لحفيده المبهور بالاختراعات العلمية والذي كاد يحيل البيت إلى رماد في إحدى تجاربه الفذة قصته مع الراديو. 
بدأ الأمر عندما جلست عمته على الكنبة بجانب الشباك, تخبط بيدها على الراديو لكنه لم يصدرغير ترددات مبهمة لا تلتقطها الأذن البشرية غالبا, فسهر عليه ليلة كاملة حتى صدح صوت الست منه ليلة الخميس أخيرا فما كان من عمته إلا أن دست في يده ما يعادل مصروف شهر كامل مما يدفع أبوه, فأخذ يعرض خدماته على عماته وأخواته وأصحاب والده لإصلاح أي راديو مهما كانت مشكلته حتى صنع إسماعيل بنفسه راديو صغير تستطيع بالفعل سماع أخبار جمال عبد الناصر من خلاله, وهو ما قاده بعد ذلك في وقت لاحق إلى رحلة عمره: منحة لندن, والتي من وقتها أصبحت مقياس الزمن,  فإذا ما حاول تذكر حدثا من أحداث حياته تسائل "دة كان قبل لندن ولا بعدها؟".
منتظرا غليان الماء على النار ليشرب الشاي باللبن, أخرج الإناء الفخاري الصغير وملأه بالأرز وذهب إلى البلكونة, نقر على الزجاج نقرتين قائلا "أنا جيت" ليقبل اليمام ويستقر حول الإناء على أطراف كرسي البلكونة التي لا تطأ قدما سليم الأرض حين يجلس عليه, يراقبهم وهم يدسون منقارهم في الطبق ويحركون رقبتهم بشكل يضحكه ثم كالعادة يشم رائحة الغاز ويتفاجيء -كالعادة أيضا- قائلا بصوت عال وهو يركض نحو المطبخ "يا خبر أبيض, البوتجاز!".

الأربعاء، 9 يناير 2019

السيرة الذاتية لمحلول عدسات لاصقة

لم تتحمس في باديء الأمر لمغادرة مكانها في تلك الصيدلية  رغم أن دكتور هاني كثيرا ما كان يوقعها أرضا وهو يمد يده لتناول عبوة من عبوات محلول العدسات اللاصقة القاطنة بنفس الرف بل أنه أحيانا لا ينتبه إليها وهي تأن من ألم السقطة على الأرض الباردة ويلاحظها فقط عندما يمر إلى الحمام فيصطدم بها بوز حذائه الجلدي فينحني متأففا ليتقطها ويرجعها على الرف. وعلى الرغم من ذلك هي تعرف الكثير عن طيبته من صديقها جهاز الضغط الذي يقبع في الدرج المظلم أسفل الرف الذي تسكن به مع زميلاتها القواربر, فقد حكى لها كيف كان دكتور عيسوي يعامل علب الأدوية حتى أنه قال لها أن في مرة قذف بعلبة أوجمانتين رقيقة بعنف. ربما يبالغ الجهاز في وصف بشاعة دكتور عيسوي فالتجويد في قص الحكاية ليست سمة من سمات الإنسان وحده.
بدأ الأمر برنين جرس التليفون, وهو شيء معتاد في هذه الصيدلية حيث يتصل العملاء المرفهون الكسالى من بني آدم لطلب أتفه الطلبات فيجمعها دكتور هاني -متأففا أيضا- ليضعها أحمد في كيس عليه اسم الصيدلية ويتمختر بموتوسيكله مميز الصوت الذي يشعرك أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة  ليوصلها إليهم ويعود بالنقود وقد أخذ ما فيه النصيب من فكة.
هذه المرة, بينما كانت عبوة العدسات اللاصقة تتثائب في ملل, أمسك دكتور هاني بعنقها بلا اهتمام ليضعها جنبا إلى جنب مع زجاجة شامبو بلاستيكية ملونة. نظر الشامبو إلى المحلول نظرة ذات مغزى قبل أن يضعهما أحمد في الكيس. كانا يعلمان أن أيامهما في هذه الصيدلية قد انتهت.
اختطلت المشاعر بعض الشيء على القارورة وهي تستحضر ذكرياتها مع صديقاتها من القوارير أثناء الصناعة والتعبئة والنقل وقد أصابها الحزن لعدم تمكنها من وداعهن كما ينبغي إلا أن رفقة الشامبو كانت خير عزاء لها.


                                                                             ******

فتحت عيناها لتجد نفسها في غرفة لطيفة, مركونة بجانب كثير من الكراكيب المختلفة من شورتات ملونة, مايوه حريمي رقيق برتقالي اللون  وآخر رجالي كاروهات لم يعجبها, كوتشينة, Ipad, شواحن لا تعرف لأي أجهزة هي, عدسات لاصقة مغطاة في جرابها البلاستيكي, وفستان أخضر قصير جدا لا تسطع تخيل كيف قد تلبسه إنسانة دون أن تظهر مؤخرتها للجماهير.
استلقت على سرير غير بعيد عن الأرض حقيبة سفر مفتوحة على مصرعيها تضع فيها فتاة ذات بيجامة كاروهات -لا تعرف سر حب أهل البيت للكاروهات حقيقة- بعض الأشياء بعناية وترتيب.

-أخدت غيارات كفاية؟
تساءلت الفتاة. لم يرد أحد.
 رفعت صوتها حتى أيقظت الشامبو فزعا وهي تكرر:
-أخدت غيارات كفاية؟ أنا هاقفل الشنطة خلاص.

ثم لاحظت قارورة محلول العدسات اللاصقة والشامبو فأخذتهما ووضعتهما بين فوطتين في منتصف الحقيبة وأغلقتها بإحكام.


                                                                           ******


أخذت القارورة  لحظات, تنظر حولها في تعجب وقلق قبل أن تتذكر رحلتها من الصيدلية إلى..ما هذا المكان؟ أين هي؟ نظرت حولها في هلع حتى همس لها الشامبو في هدوء أن تنظر من الشباك.
كانت تلك أول مرة ترى فيها البحر, لم تعرف غير زرقة أرض المصنع, أما هذا فلا يشبه أي شيء آخر على الإطلاق. هذا سحر خالص.
تمنت كثيرا لو أن صديقاتها كن هنا يشاركنها هذا المشهد, هل رأى دكتور عيسوي البحر؟ ها شاهد هذا المنظر من قبل؟ 
لا تظن. لا يمكن أن يرى إنسان هذه الدرجة من الأزرق ويكون بهذه القسوة. مسكين دكتور عيسوي, ربما هو فقط بحاجة إلى رحلة بحرية.


                                                                         ******


لفترة طويلة, تساءلت القارورة عن سبب وجودها وتصنيعها الذي لم يكن ذا معنى كما صُّور لها, إلى أن رأت البحر. أدركت أن كل شيء يحدث لسبب ما, فقد صُنعت لتنقل إلى تلك الصيدلية فيطلبها هذان اللذان بدورهما اصطحباها معهما إلى ذلك المكان الجميل المطل على أكثر الأشياءإبهارا وأن هذا الرجل يعاملها بلطف شديد, فلا يضغط عليها ولا يرميها بعدم اكتراث بل يضعها في مكانها بعناية بعد أن يتأكد أنه أغلقها كما ينبغي. يا له من جنتلمان.
أخذت القارورة أياما تتحدث في حماس مع صديقها الشامبو في أهمية الإيمان, فإذا آمنت حقيقة وبصدق بأن الآت سيأتي جميلا فسيأتي جميلا وكيف أن كل شيء يحدث لسبب  في وقت معين وهو أفضل وقت. يالصنع الإنسان و و و..إلى أن لاحظت حركة مضطربة وسرعة غير معهودة في حركة الثنائي اللطيف وهما يبرمان في المكان جيئة وذهابا, يلملمان أشياءهما من هنا وهناك, يضعاها بزهق في الحقيبة ويغلقانها, ينظران تحت السرير وفوق الدولاب, تدخل الفتاة إلى الحمام مرتين لتتفقد الوضع بينما يُخرج هو الحقيبة إلى الخارج وتلحق به زوجته.
 يدخل مرة أخيرة, ينظر مطولا إلى القارورة المتروكة على الترابيزة العالية المطلة على الشباك, يقترب منها ثم يبدل رأيه ويتركها كما هي ويغادر مغلقا الباب خلفه بإحكام.



الأربعاء، 26 ديسمبر 2018

The Last Sunday

لا أذكر بالتحديد لكني كنت في المرحلة الإعدادية على الأغلب. أعود من المدرسة لأجلس بالساعات منهمكة في تحميل أغاني جديدة والاستماع إلى المجموعة التي تم تحميلها في الليلة السابقة وأفاجىء نفسي باختيارات عشوائية تصيب تارة وتصدع رأسي تارة. أذكر أنني وقتها تعرفت على Queen و Scorpions وMireille Mathieu وPink Floyd وأندلسيات فيروز وأنني لم أحب David Bowie -آنذاك- ولذللك أنا آسفة.
وفي يوم, قد يكون سبتا رائقا -حيث كان الأحد أجازة وكنت أسهر كما أريد في جو من النظرات المشتعلة والسب المكتوم في حنجرة ماما- وقعت تحت يديّ أغنية لو تذكرتها لما كتبت هذا الذي أكتبه, أغنية لباند لا أعرفه لها كلمات لا أحفظها ولكني أستطيع أن أدندن لك بدقة الجزء المفضل لي والذي كنت أعيد وأزيد فيه حتى يصيبنا جميعا الانهيار العصبي.
قضيت أسبات أخرى أقل بهجة في بحث مستميت عن تلك الأغنية بعد أن مات جهاز الكمبيوتر الضخم آخذا معه ما تيسر وما تعسر من أغاني, ضاما إلى قبره تلك التي لم أجدها أبدا قط. إلى أن بعد أكثر من خمس سنوات, جاء يوم -ربما يكون سبتا كذلك- قررت فيه أن أشاهد "Blanc", أحد أفلام ثلاثية كيشلوفسكي لأجد أن الشخصية الرئيسية تفترش أرض محطة المترو وتعزف على الهارمونيكا لحن الجزء الذي أحبه في الأغنية إياها, فأشعر ذلك الشعور الذي ينتابني حين أرتدي بنطلونا مضبوطا من الوسط والفخذين في نفس الوقت وهو إحساس لو تعلمون غير متكرر حد البكاء.
تعلقت بتلك القشة وأخذت أبحث وأستشير جوجل والمنتديات ومواقع الأفلام في أمل لأجد أن ذلك اللحن المستخدم هو جزء من تانجو بولندي حزين من الثلاثينات اسمه "Ostatnia niedziela" أو "The Last Sunday" بالإنجليزية, ويُحكى أنه عُرف أيضا باسم "Suicide Tango" وقد فهمت سبب ذلك عندما ترجمت كلمات الأغنية الأصلية بالطبع والتي تقص قصة فتاة تترك حبيبها من أجل آخر أكثر ثراء فيتفهم المسكين ذلك لكنه يرجوها ألا تضيع الوقت في الكلام الذي لا فائدة منه وأن تقضي معه اليوم, يوم الأحد, آخر أحد قبل الرحيل قائلا مثلا:


ليس هذا هو الوقت المناسب للبحث عن أعذار
فكل شيء قد انتهى, هذه هي الحقيقة
اليوم, رجل آخر, أكثر ثراء مني, أفضل مني
قد سلبني سعادتي وأنتِ

سأطلب منك طلبا واحدا أخيرا
امنحيني هذا الأحد, الأحد الأخير
وبعدها فليتداعى العالم من حولي

هذا هو الأحد الأخير
اليوم نفترق, للأبد
هذا هو الأحد الأخير
فانظري إليّ
بحب, للمرة الأخيرة
فأنتِ, سيكون لديك العديد من الآحاد في انتظارك
أما أنا, فمن يعرف ما سيحدث لي
فهذا هو الأحد الأخير



حاولت مرة أخرى البحث عن الأغنية التي اقتبست جزءا من التانجو البولندي عن طريق تطبيقات الأغاني المختلفة, المجانية منها والمدفوعة,الهمهمة والدندنة في مواقع مخصصة لذلك, تفتيش أي كارت ميموري أجده في مزبلة درج المكتب, سؤال بولنديي الجنسية ممن صادفت أثناء السفر ولكن بلا طائل.
قد يبدو هذا شيئا تافها أو بائسا أو تافه حد البؤس حتى, لكني لسبب ما أعتقد أنني يوما ما سأجد تلك الأغنية وربما أجدها الآن بعد مرور كل هذا الوقت أغنية ساذجة لا تستحق العناء مثل أي شيء تنهك نفسك للحصول عليه ثم تكتشف أنك لم تعد ترغب فيه ولكنه سيكون انتصارا ما أضيفه على قائمة قصيرة بها "حاجات أردتها و-ياللدهشة- حصلت عليها".


الأحد، 28 أكتوبر 2018

-18

لا أعرف بالتحديد من قام بتقسيم المحتوى إلى +18 و-18 ولم اختار 18 سنة ولا على أي أساس يُصنف المنتج أنه يناسب زائد أو ناقص 18, ولكني أذكر أن ماما زمان, أقنعتني ألا أُكمل مشاهدة Lion King معللة ذلك بأنه "مش حلو, مش هيعجبك" ولم أعرف إلا بعد سنين أنها لم تكن تريدني أن أشعر بالحزن على موت موفاسا.
عندما كبرت قليلا وأصبحت أختار منفردة ما أشاهده من كرتون, تعجبت من قصص ومسلسلات, صُنعت خصيصا لتكون -18 بل -12 لكنها شديدة الحزن وفيها أحداث صادمة لا يمكن تجاوزها بسهولة, مثل موت روميو في "عهد الأصدقاء" أثر مرضه بالسل أو معاناة سامي ووسيم اليتيمين الصغيرين أو ضياع ريمي في الشوارع وبحثها عن صحبة وأهل وأم..
أذكر أني كنت في الحادية عشرة عندما تعرفت على هاري بوتر. كنا نقضي معظم شهور الصيف في العجمي, كانت لي طقوس لا تتغير بداية من البطاطس المحمرة التي تغريني بها ماما لأوافق على الخروج من حمام السباحة بعد أن هربت من الراجل اللي بيصفر شمالا وغربا وجنوبا وشرقا, إلى ركوب العجلة على البحر وشراء أيس كريم الليمون والذهاب إلى كشك الأهرام لشراء كتب لطيفة حتى يأتي الطفطف. تلك السنة, اخترت هاري بوتر وحجر الفيلسوف ليكون بداية الصيف ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن, لا شيء يحل محل هاري بوتر في ذكريات طفولتي وبداية مراهقتي. كنت أحب هاري ورون وهرمايوني كأصدقاء حقيقيين, نواجه قوة السحر الأسود معا, نتجول في دهاليز هوجوارتس, نفرح كثيرا لظهور سيريوس بلاك ونكتئب جدا عندما يُقتل. أذكر أني أحببت كثيرا شخصيات بعينها مثل دمبلدور, هاجريد ولونا وسيدريك ديجوري وكنت أمقت الكثير من الشخصيات مقتا حقيقيا مثل بيتر بيتجرو, دولوريس أمبريدج, وبيلاتريكس.
هذه الأيام, في محاولة لاستعادة ذكريات طفولتي التي أحبها بشكل خاص, قررت أن أشاهد أفلام هاري بوتر الجزء بعد الجزء لكني لم أتخيل أن التجربة ستكون مختلفة إلى هذا الحد.
ليلة أمس شاهدت Harry Potter and the Order of the Phoenix وهو من الأجزاء المحببة إليّ وفي العادة أتأثر كثيرا لموت سيريوس بلاك وأشعر بالغل تجاه دولوريس المثال المتقن للشخص المؤذي الذي يتمتع بسلطة قمعية يستخدمها كما يشاء لينشر وجهة نظر جهة معينة ويربي العيال اللي مش نافعة بأسلوبه. في الحقيقة, أنا شخصيا عندي بعض المشكلات مع فكرة السلطة والتأديب وقد وجدت الكثير من الشبه بين شخصية دولوريس وشخصيات قابلتها في حياتي الدراسية والعملية فكنت دائما ما أشعر بغضب بالغ وحقيقي تجاه تلك المرأة, لكن تلك المرة, وأنا +18 بل +21, لم تعد مشاعري كما كانت تجاه الشخصيات فوجدت نفسي أشتمها بغضب مضاعف عندما عاقبت هاري وجعلته يكتب "I must not tell lies" بدمه, ولم يكن غضبا مدفوعا بمشاعر الصداقة الحميمة مع هاري بوتر كما كان الوضع آنذاك, بل زاد عليه مشاعر من نوع أن هو عشان الولد مالوش أهل تقومي تعملي فيه كدة وأنه لو  كان ابني لكنت جبت الولية دي من شعرها وفرجت عليها الناس وقد شعرت بذنب كبير لمشاهدتي إياه يظلم ويؤذي بهذا الشكل دون أي تدخل في مجرى الأحداث.فقررت أن أوقف الفيلم وأنام.
لاحظت أن ربما كلما نكبر سنا, نشعر أكثر بمعاناة الآخرين, أو ربما نفهم مدى صعوبة كل شيء لدرجة قد تدفعنا أن نتعاطف خفية مع أشياء كنا نظنها مطلقة السوء, فلا يوجد ما هو واضح طيب أو شرير. أعود أرثي للSinging fat Lady وأفكر في كل كريسماس لم يتمكن هاري من الاستمتاع به وأتفهم ما قد حدث لTom Riddle ليصبح على الصورة التي هو عليها كما أعتذر  للأبواب إذا ما رُزعت, وللزجاجات البلاستيكية إذا ما رُميت وللأوراق إذا طويت, وأربت على الدمى قبيحة الشكل إذا ما صرخ عندما يراها الأطفال وعلى كلاب الشارع التي لا أستطيع أن أخذها جميعا إلى البيت, وأتأكد حينها أن ربما كان من المنطقي أن نشاهد تلك الأشياء المؤثرة أو الصادمة ونحن صغار في السن, مرنون وغير منهكون, كان من المنطقي أن يكون كل ذلك -18 فقط.

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

الجمال الكامن في الشيء غير المتماثل

أن تحب السيميترية والأنماط المتكررة مثل توافق رجل الكرسي مع حافة السيراميك، تعادل المسافات بين الشجر والمربعات السوداء على رقعة الشطرنج - وما لم تكن وس أندرسون بالطبع- لهو أمر غريب بالنسبة إلي، وبالغريب لا أعني أنه OCD, والحقيقة أني أجهل تماما حب الآخرين في تعليق حبهم للنظام والسيمرتية وكرههم لما يعبث بذلك الترتيب على شماعة الوسواس القهري والذي يختلف إلى حد معقول مع تلك الأعراض التي يفخرون بها على كل حال.
في الواقع أنا أجد تلك الأنماط والقوالب المكررة مملة وسخيفة -إلا إن كانت في فيلم من أفلام وس أندرسون- حيث أجد نفسي أميل إلى اختيار باقات الورد ذات الألوان الكثيرة التي تبدو وكأنها قد وضعت بلا تفكير, أحب أن تبدو البراويز وكأنها قد رُشت على الحائط رشا غير مقصود, أحب أن أرى العشب الأخضر بين البلاطات غير المتماثلة في الحجم, أحب النبات المتسلق على ناحية واحدة من شرفة الجيران.أحب الابتسامات التي تكشف أسنان الجانب الأيمن أكثر مما تفعل بالأيسر, وأحب الفرق بين السنتين الأماميتين وأحب فستاني ذا الكتف الواحد, طويل الطرف من اليسار وقصيره من اليمين ولا يثير حنقي ألا تبدو الأشياء كأنها خرجت من مكنة تصنع قوالب أوتوماتيكيا توا, على العكس تماما.

الخميس، 12 أبريل 2018

Cliché with a view

"شغلي اللي أنتِ عايزاه"
مد يده بال AUX دون أن يحيد نظره عن الطريق, تناولته بيدي وأنا أنظر إلى أصابعه وأفكر في أن كل ما تلمسه يبدو أكثر أناقة وهنداما قبل وقع يدخ عليه. تذكرت أول مرة جلس بجانبي وهو يمسك بمفاتيحه ويلعب بها حول أصابعه وكيف يمرر أنامله في شعره الخفيف مصففا..
أجبت بأن موبايلي لا يستقبل الAUX لأني غنية فشخ ومعي Iphone أحدث من آي فونه وأن لعنة الله على Apple اللي بوظت دماغنا.
 قررت أن أعلن عن رغباتي لمرة وحيدة قائلة "احكيلي حاجة بقى للطريق",  وعندما سألني عما أريد معرفته,  قلت أنه يعرف عني الكثير ولا أعرف عنه شيئا وأن هذا ليس عدلا, ربما أن يخبرني عن أولى قصص الحب في حياته واستطردت محاولة التراجع "كلمني عن علي الإنسان".
استجاب- غالبا بدافع الشفقة وربما الملل- أن يحكي لي حُب الجامعة الذي استمر سنة ونصف. استمعت إلى قصته التي يعتبرها أكثر القصص كآبة ومأساوية في حياته, بينما وجدتها cliche ولا ترقى لأن تكون قصة حب, هي أجدر بأن تكون سوء تفاهم, خيانة, سفالة أو أي معنى ناقص كذلك وقد شعرت أني سمعت ما يشابهها بكل تأكيد في مجلس آخر.
 ما لم يكن متكررا كان الview, حيث أنار الطريق شريطا محيطا بعينيه فأضاف جوا دراميا فريدا, وأنا كنت أحب عينيه, وقد بدا خده من تلك الزاوية كخد طفل صغير يغريك لتقرصه مداعبا أو تضغط عليه بشفتيك مقبلا, أصابعه الملتفة حول المقود, والتي تتحرك في توتر بين زر التكيف, فتح الشباك وغلقه, ودعك عينيه الذي أبقاهما إدرينالين رواية القصة -لمفاجأتي- مفتوحتين بعد العاشرة مساء وصوت ضحكه الخفيف كلما شعر أنه أكثر من الصعبانيات.
وصلنا إلى منزلي, لم يتوقف عن الحكي ولم أبدِ أي رغبة في الرحيل..استمعت إلى ما يقول وأجبت بما تيسر عندما سألني عن ما كنت لأفعله لو كنت مكانه وما كنت أفعله لو كنت مكانها.
-بس manipulative أوي البنت دي.
فأجاب على فور بأن آه بنت كلب.
لم أجد أن من اللائق أن اتركه الآن فقلت وقد عنيت ما أقول أن ما شاء الله, كان نفسي أبقى زيها.
نظر إلي محققا, أخفى ضحكته وقال إن مش لايق عليكي الدور دة خالص.
سكتت وقد فكرت في صحة ما يقول آسفة وأضفت أن آه, كان زماني عندي بودي وملوكة.
"وأنا كان زماني مربي شنب الظباط دة وبكرش"
-والعيال قاعدة تزن ورا وإحنا راجعين من تمرين السباحة.
"وفوط مبلولة وكمكمة"
-وزعيق عشان أقسم بالله الواجب لو ما اتعمل مفيش عيد ميلاد جومانا.
"شوفتي, الحمد لله إحنا أحسن من غيرنا"
-احنا زي الفل.

الخميس، 1 سبتمبر 2016

ميكروباص الفيوم

كانت تلك المرة الأولى التي تسافر فيها وحدها دون إسماعيل. وقفت أمام الميكروباص, تمسك ابنتها من يدها وتجرجرها خلفها حتى كادت تنخلع من من مفصلها, سألت كل من تقع عليه عينها, ليقول لها السائق في نفاد صبر وهو يعد بعض العملات الفضية التي فردها على يده اليسرى "والمصحف رايح الفيوم يا ست".
. حملت ابنتها ونقرت بدبلتها على زجاج الشباك ففتحه الرجل وتلقف الصغيرة من خلاله بينما جلست أم ريماس على الكرسي المجاور للشباك وعلى نظرة نصر, ودون سلام أو كلام أخذت البنت التي تبكي بلا توقف, وضعتها على حجرها وهي تتحسس جسمها من فوق الثياب وقد مر في خاطرها كل حوادث التحرش التي سمعت عنها ورأتها بنفسها وأعادت النظر للرجل في كراهية واضحة.
ما إن تحرك الميكروباص حتى هدأت البنت وبدأت في الكلام "ماما دة كلب؟" فتهز رأسها, "بنت؟" فتجيب "حلوة زيك" , "ماما دي ريحة كشري؟" فلم تجب.
"ماما"
-همم
"دة كشري؟"
-آه
"جعانة"
"ماما جعانة"
 فتضع يدها على فم ابنتها وهي تزغر لها زغرة أعادت لها صمتها. لم تنقضِ خمس دقائق حتى عادت إلى ملاحظتها المدهشة عن أي شيء ساء قدره ومضى في طريقها.
"ماما الست دي داخلة النار؟"
فتنظر من الشباك:
-داخلة النار ليه إن شاء الله؟
"ماشية بشعرها, بابا قاللي.."
من جديد وضعت يدها على فم ابنتها بسرعة وكأنها تسد بلاعة كادت تطفح وقد أراحت يدها الأخرى على رأسها مربتة عليه:
 -نامي يا ريماس
لم تغمض الصغيرة عينها مع ذلك بدأت الأم تزن زنة رتيبة وتهز في رجلها وتحرك كفها على شعر ريماس في حسم حتى بدأ جفناها في الاستسلام, وفجأة وكأن شخصا قرصها فتحت عينها قدر ما استطاعت وقد قالت بصوت سمعه ركاب الميكروباص كله كما ستجزم أمها في حكايتها:
"مش عايزة أنام يا ماما يا بنت الوسخة" 

السبت، 11 يونيو 2016

العصفورة طارت

تململ عم عاشورفى مقعده الخشبي, أنزل ساقه اليسرى من تحت مؤخرته النصف ممتلئة باحثا بقدميه الأثنتين عن شبشبه المعروف صوته على سلالم العمارة كلها, متسائلا عما يمكن أن يكون قد دب في شقة الأستاذ عمرو الله يرحمه. نظر إلى أعلى من بئر السلم باحثا عن رأس مدام رانيا التي لم تعد تستطيع استخدام جهاز الانتركم بعد أن هشمه ابنها إلى عشرة أجزاء بعصا المقشة لكثرة ما يرن عليه المعزون ليفتح لهم أهل الدار باب العمارة.

"العصفورة طارت يا عم عاشور"

جرى عم عاشور على السلم لاحقا برأس مدام رانيا الذي سبقه إلى الداخل, لم يسمِ الله ولم يرن الجرس كعادته عندما تحتاجه المدام لتغيير لمبات نجفة السفرة المحروقة دائما أو للوقوف مع السباك فى الحمام, لكنه لم ينسى أن يخلع نعليه على العتبة الرخامية بكل الأحوال. دخل خلفها إلى البلكونة وقد أخذ صوت ابنتها ذات السبع سنوات يعلو شيئا فشيئا كلما اقترب. وقفت وقد تفرقت خصلات شعرها القصيرة فى عشوائية, تنزل الدموع غزيرة من عينيها المحمرتين, يسيل سائل من أنفها فتسحبه إلى الداخل مجددا فى صوت مسموع, تصرخ بصوت حاد صعب تصديق حقيقة أنه يخرج من حنجرة بهذا الحجم, تشير بإبهام يمناها إلى العصفورة. عصفورة صفراء ضئيلة, لا تكاد تُرى بين البلاطات الملونة التي استقرت على إحداها, تلعب بجناحيها وتنظر فى دهشة إلى التجمع البشري غير المألوف, حيث تقف الحاجة فاطمة جدة الأولاد تشير إليها بكلتا يديها لتقترب بينما أخذت الأم ابنتها بين ذراعيها وهي تسحبها إلى الوراء بحذر تاركة الساحة لعم عاشور ومهاراته المأمولة فى صيد العصافير. اقترحت الحاجة فاطمة على بواب العمارة أن يحلقا حولها من الجهتين فلا يدعا لها مجالا للهرب, فانطلقت الفتاة فى الصراخ مجددا مرددة أن "ابعدي أنتِ, أنتِ اللى سبتى القفص مفتوح".
أخذ عم عاشور يقترب فى بطء وقد انخفضت قامته لتصبح فى مستوى العصفورة, أخذ يصدر صفافيرا مثيرة للسخرية وبكل جدية, كأنه يتحدث إلى الطائر الصغير بلغته الأم حتى يفهم. تقدم الرجل زاحفا, أكثر فأكثر وقد بدأ ذراعه يستطيل ممتدا إلى كرة الريش الصفراء. كانت الجدة قد اقتنعت أنه بالفعل أمسك بها, وكفت الفتاة عن البكاء, فتح عم عاشور يديه فارغة, ليس بها شىء سوى الهواء.

"العصفورة طارت"

انطلق صياح الصغيرة عميقا عاليا كما لم يُسمع من قبل, ولا حتى ليلة مات الأستاذ عمرو الله يرحمه. أخذت رانيا تغريها بعصفورة جديدة, بل اثنتين, واحدة صفراء وواحدة زرقاء, بل ببغاء ملون, من النوع المتكلم وسنسميه سمسمة على اسم العصفورة التى طارت..لم تكف. بلا انقطاع, استمر بكاؤها.
أمسكت الحاجة فاطمة عصاها ولفت طرحة الصلاة حول شعرها الشائب ونزلت على السلالم لاعنة عند عمرو ورفضه دفع مصاريف الأسانسير, يللا الله يرحمه ويغفر له.
أصبحت الجدة على أسفلت الشارع والعصفورة تطير من شجرة إلى أخرى, تنتقل بين الأغصان وكأنها اكتشفت لعبة جديدة فى مدينة الملاهي والسيدة العجوز تسير فى أقصى سرعة تقدر عصاها عليها, موازية لها كظلها على الأرض وهى تنادي أن يا سمسمة تعالي, انزلي يا سمسمة الله يهديكي.
لم تصدق رانيا ما تراه من أعلى, وأخذت تأمر أمها بالصعود وبالكف عن الفضائح فلا يصعد إلا صوتها العالي قائلا أنها لن تعود إلا عندما تعود العصفورة. فارتفع صوت الطفلة بالبكاء وقد بكت أمها.

"حتى  تيتة والعصفورة سابونا ومش عايزين يبقوا معانا."

السبت، 23 أبريل 2016

بالونة مفرغة من الهواء


  اليوم نمت على جنبى الأيمن. لم أعرف أين أضع ذراعي اليمنى ولكنى لم أعد أستطيع النوم على وجهي كما هى عادتي, كلما

وضعت رأسي على المخدة أحسست بنفسى يُكتم بداخلها. 

أستيقظت رغم ذلك ثلاث مرات, الأولى إثر حلم مزعج سخيف: كنت نائمة فى الحلم وحلمت -داخل الحلم- أنى أبتلع لسانى المتضخم

وأختنق فى عذاب صامت, فانتفضت من السرير لأقف أمام المرآة -في الحلم أيضا-, أخرج لسانى لها كالمجنونة, أمسكه بيدي لأتجقق

من حجمه وأتأكد أنه ما زال تحت السيطرة وأنى ما زلت أتنفس. استيقظت أخيرا من ذلك الكابوس المركب, نظرت لصورتى فى

المرآة, مططت لسانى فوجدته عاديا مستجيبا.

عندما خلدت للنوم مرة ثانية لم تمض سوى ساعة وربع حتى استيقظت مجددا. لم أحلم ولم أختنق فى المخدة فأحسست بامتنان شديد

لأنى ما زلت حية لم أمت. أخذت نفسا عميقا جعلني أسعل مثل قبطان مركب عجوز لا تغادر البايب فمه من سنة 50.

نظرت إليه بجابنى, نومه سريع, عميق, وكأنه غرق فى السرير. مددت يدى إلى كتفه لأوقظه لكني لم أفعل. هل من الممكن أن يقتلنى

يوما؟ هل أجرؤ أنا على قتل نفسي؟

 يقول دائما إنى جبانة وأنى لن أتخذ أى خطوة مادية لإيذاء نفسي حتى وإن أردت وهو ما شككت فيه كثيرا, تقول صديقتي أنى لا

أؤذى إلا نفسى وأنا أقول أنى لا أملك القدرة على الإيذاء أو الإحسان أو الحماية. أنا أجبن من أن آكل شيبسى فى مكان عام حتى لا

يسمع أحدهم صوت القرمشة, لا أستطيع أن أجرب جزمة فى المحل لأنى أخاف أن تكون لقدمى رائحة, عندما نام على كتفى فى

السينما مؤخرا, كانت خصلة من شعرى تحت أذنه وقد آلمتنى, فما كان بي إلا أن انخفضت فى المقعد وأملت رأسى تجاهه لأقلل الشد

والصداع.

غدا صباحا, سأقول له أنى سأشترى قطة, هكذا بصيغة خبرية. سأشترى قطة. ونمت للمرة الثالثة.
                                                           *******شعرت به يهز السرير وهو يرتدى جوربه, تقلبت فى مكانى, فقال صباح الفل واعتذر وأخفض صوته آمرا أياي أن أستكمل نومي.
"باقولك إيه؟ أنا هاشتري قطة."

نظر إليّ برهة ورد أن يا فتاح يا عليم وأنه لا يحب القطط وأنى أعلم ذلك وأن أعمل اللى أنا عايزاه ولكنه غير مسئول عن أكلها

وشربها وبشكل خاص أكثر هو غير مسئول إطلاقا عن النظافة والحموم.

كانت الساعة السابعة, صنعت قهوة له ولي, تصفحت الجريدة التى تركها إبراهيم على باب الشقة.

"أنتِ إيه رأيك فى الاغتيلات السياسية صحيح؟ إحنا عمرنا ماتكلمنا فى الأزمات الأخلاقية السياسية دى."

ضحكت وفكرت كثيرا طول اليوم وأنا أتصفح صور القطط المعروضة للتبنى. هذا القط الرمادى بلا شك.

"إيه رأيك فى الواد الرمادى أبو عينين زرقا دة؟"             

                                                     ********
لم تكن الليلة التالية أشد اختلافا فقد حلمت أنى فى خيمة مطاطية زرقاء فى الصحراء وكنت سعيدة أنى رأيت النجوم بالتليسكوب

الجديد وكانت لكون ليلة مثالية لولا أن الخيمة الصغيرة انهارت. انكمشت لترتطم أجزاؤها وأنا بداخلها كالبالونة المفرغة من الهواء. 

هذه المرة أيقظنى هو وقد أنار الأباجورة "لازم نشوف حل لكوابيسك دى.".

                                                    ********
جلس على الغذاء وأثر الحماس على وجهه شديد, ترددت قبل السؤال أن خير؟ إيه الفرحة دى؟
أعترف فورا أنه قد تحدث إلى صاحبة القط الرمادى وأننا سنذهب فى الثامنة لاستلامه والأتيان به إلى منزله الجديد وأنه أشترى رملة

وأكل قطط و"بصى كمان!" إنها فرشاة للشعر الشائب الناعم.

نزلت معه فى السابعة والنصف, متجهين إلى مصر الجديدة لاصطحاب..."هنسميها إيه صحيح؟" 

فأجاب أنه ذكر وأنه يظن أن اسم خالد لطيف جدا. ظننته يمزح حتى استرسل قائلا أن الحيوانات المنزلية هى أبناء لأصحابها, 

وتسميتهم سوسو وتوتو ولولو تقليل من مكانتهم كأبناء. "خالد لطيف جدا يابنتى!"

                                                       ********
لم أستطع النوم. دخلت الحمام, مددت يدى فى السبت الذى أضع فيه كتبا ومجلات فلم أجد شيئا. ما طبعا! طالما طنط مامته قد

أصدرت قرارا بأن الكتب فى الحمام حرام نظرا لأن الروايات العربية التى نقرأها قد تحتوي على آيات قرآنية وألفاظ لا يجوز أن

تتواجد فى مرحاض.

أنا لا أريد هذه القطة, أو هذا القط.

 خرجت من الحمام وفتحت اللابتوب, أجريت بحثا عن "متوسط عمر القطط؟" لأجد أنه حوالى 15 سنة.

15 سنة ويموت خالد, إن لم يكن أقل, فهو راح ولا جه قط مصرى يعيش فى القاهرة مما قد يؤذيه صحيا ونفسيا. على خالد أن يرحل

من هذا البيت وبسرعة.

خرجت حافية إلى الليفينج رووم حيث تركناه فى كرتونته, وجدته يغط فى نوم عميق, أنفاسه مطمئنة وأنفه صغير جدا ويديه.

عدت لغرفتى وقد دفنت رأسى فى المخدة وقد قررت أن يعود خالد صباحا من حيث جاء.

                                                      ********
"صباح الخير..مالك؟ إنتِ معيطة؟"
قربت طبق البيض المسلوق من يده وأجبت

"ولا حاجة, حلمت بكابوس جديد." 

السبت، 13 ديسمبر 2014

حمام

     
أستاذ حمام, بهيئته الرثة, بدلة مهترئة لا أذكره إلا بها يبرز من تحتها جاكيت صوف ملون يحمى قلبه من الصدأ وطربوش قديم يحاول الحول بين رأسه والبلاوى اللى نازلة ترف عليها, يدرك أن المصايب تبحث عنه بكل اشتياق مثل العاشق المهرى ما يدور على حبيبته وأنه كدة حظه كدة. لا أستطيع أن أمنع نفسى من حثه على دخول قصر بنت السلطان,
ينظر إلى فيلا مراد باشا بذهول ويقارن نفسه ببلاط المدخل ليجد أنه أكثر منه هنداما, فيمسح حذائه فى بنطاله فى يأس وبتقدم. لا أعرف إن كنت قد دفعت به إلى تهلكة أم إلى جنينة تتجول فيها ليلى هانم ناشرة عطرها الذى لفح عقله و تسرب من بين أزرار الجاكيت إلى قلبه المتعب الثقيل. أتنفس الصعداء وأنا أراه حليق الذقن, مفرود الشعر, تبرز بدلته الجديدة الأنيقة لمعان عينيه زهوا بأنفاسه الحرة التى أخيرا استطاع استنشاقها دون خوف أو حساب ما تبقى من قروش فى جيبه المثقوب. ألاحظ يد ليلى ترتاح على كتفه فى رقة وهى تغنى, تعدل له الكرافات وتمتد بخفة لتنتشل ما يشوب نقاء قلبه فيخرج وردة من الفاظة ويدخلها فى عروة الجاكيت وهو يبتسم, لأول مرة بلا خوف مما ينتظره بعد قليل من سوء حظ. يستمع إلى ليلى تغنى وتقول إن الدنيا غنوة نغمتها حلوة فلا يستهزأ ولا يغيظه التشبيه فيندهش من نفسه ومن إيمانه الجديد بأن الدنيا جميلة, فأفتح له النافذة.
"بيفوت على العين ويصحيها من عز النوم, ويفوت على الروح ويطير بيها"
فيترك أستاذ حمام كتاب روميو و جوليت من يده و يترك روحه لتطير فيجد نفسه أسفل شرفتها, يتحدث إليها وقد جرى الكلام على لسانه وأمده شعاع القمر بالجرأة.
"هتركب؟"
فيجيب اركب, بعد هددته وقد وجد هو تهديدها جميلا محمودا وإن لم يستطع منع نفسه من الاحساس بمصيبة جياله.
حذًرته من الاستمرار فى هذا الطريق, أخربته أن التراجع والاكتفاء بهذا القدر من لطف القدر خير له فلم يستمع إلىّ و سلم طربوشه اللى معندوش غيره على باب الملهى الليلى منقادا وراء ليلى التى تركته لتحضن حبيبها. يجلس أنور وصديقته ليلى على طاولة, يمسك يدها بكلتا يديه وتنظر هى بوله إلى عينيه المبتسمتين بينما يظل أستاذ حمام فى مكانه, يقف بلا حراك أمامهما يسمع غير مصدق كلمات لم يظن أنها قد تخرج من بين شفتيها إلا إلى أذنيه.
أراقبه فى حزن وهو يدافع عنها وهو يستعين بالطيار الذى استوقفه فى الشارع لينقذها من أنور بتاع اللى قبلها واللى قبل اللى قبلها ويهرب منه ليقع فى قبضة يوسف وهبى الذى ينظر إليه من طربوشه العجوز إلى حذائه الذى تبدل لونه فيدير وجهه متحدثا إلى بنت الباشا. ألاحظ انطفاء لمعة عينيه وهو يرد على كلام يوسف بيه وهو يشرح ويستفيض ويفترض أنه مثلا مثلا يحب ليلى هانم من صميم الوجدان وأن هى مع الأسف الشديد تحب شخص آخر فتلقى فى وجهه ردا قاسيا قائلة "وأنا كنت عميت؟".
"ضحيت هنايا فداه وهاعيش على ذكراه"
تنهمر دموعه فأربت على كتفه وأنا أفكر فيما يمكن أن يخفف عن العاشق السىء الحظ.
"أبيع روحى فدا روحى"
أمسكه من يده وأخرج به من جو المسرح القاتم إلى الهواء الطلق لتلحق به ليلى. يركبان مع الطيار وحيد زوجها المستقبلى, يعوج طربوشه فى هدوء ويبتسم لى و يهز رأسه فيما يشبه الرضا.


الثلاثاء، 15 يوليو 2014

سراج منير بين العالم الموازى و العالم الموازى له

                                                                  فى عالم مواز

تقف "عقيلة راتب" أم عبد الحليم فى ساحة المحكمة صارخة أن هذا كذب و افتراء و أن ابنها برىء و لم يصدم المجنى عليه بسيارة و لا شأن له بأى باذنجان, فتتعالى الهمسات و ترتفع طرديا معها خبطات المطرقة الخشبية و مطالبة القاضى بالهدوء. تطلب أم عبد الحليم استجواب زوجها سراج منير معللة أنه لن يستطيع الكذب إذا حلف اليمين.
تراه واقفا واليأس قد تملكه قائلا "والله العظيم أقول الحق" و يقوله فعلا فيخرج عبد الحليم البرىء من ظلمات السجن حالما بالعودة إلى فتاة العوامة ذات الديل حصان و الغمازات, ويحل محله أحمد رمزى الشاب المستهتر الذى يزهق الأرواح بطيشه و سرعة سيارته المهولة.




                                                         فى عالم مواز للعالم الموازى


يقف سراج منير و على وجهه أمارات الجد و الشدة فى ساحة المحكمة,

-قول والله العظيم أقول الحق
والله العظيم أقول الحق!
-ابنك اللى خبط المجنى عليه بالعربية؟
لأ
-أمال مين؟
عبد الحليم هو اللى عمل كدة.
-و عرفت منين؟
هو اللى اعترف -ابن الهبلة(فى سره)- يبقى هو اللى عمل كدة.
-مش جايز يكون أحمد رمزى؟
أنا ابنى كان فى البيت وقت الحادثة, صلينا العشا و نمنا ع الطول و تانى يوم سمعنا الخبر المشئوم.

يعود سراج منير إلى جانب زوجته عقيلة راتب التى ما زالت تنظر إليه فى صدمة و عينيها ممتلئتين بالدموع.
يصدر الحكم بإدانة عبد الحليم و براءة أحمد رمزى و يصطحب الأب ابنه فى رضا إلى البيت بعد أن طلق أم عبد الحليم -بناء على رغبتها الشخصية- لاستحالة تخليها عن ابنها المظلوم.
تلملم عقيلة راتب أشياءها و تسرع إلى بيت محمود المليجى باكية, تمضى بضع ساعات ينجح فيها المليجى فى تهدئة زوجته السابقة و يأتى بكوبين من الشاى الساخن المظبوط لزوم التفكير و المخمخة, و بمجرد أن بدآ نقاشهما, عادت الأم إلى سابق بكائها و كأن ساعات لم تمر. تضيق الأرض بما رحبت على محمود المليجى بسبب نواح عقيلة و ولولتها على شباب ابنها الذى ذهب مع الريح, فيذهب إلى القهوة, يدخن حجرا, يشرب ينسونا, لعله يجد حلا للولد. و مع ثانى رشفة من المشروب, يلمح رجلا قد رآه من قبل, تغيم الصورة فى عقله و يفنط ذكرياته القريبة ليجد الرجل نفسه مرتديا بدلة صيفى مشابهة لما يرتديها الآن فى المحكمة صباح اليوم, لا هو قاض و لا محام و لكنه يعمل هناك و قد يكون ذا نفع.
فى عجلة يقترب منه و يجر كرسيا و يجلس إلى يمينه, يتعجب الرجل ذو البدلة الصيفى ثم تنير لمبة فوق رأسه "عرفتك  إنت أبو عبد الحليم!" فيبستم المليجى فى أمل لا يخلو من خبث و يبدأ بالحديث و يستمر فيه 4 ساعات كاملة.




                                                      عالم موازى كمان و كمان

تدخل البدلة الصيفى لساحة المحكمة, يوشوش الرجل القاضى و يشير للأخير له أن "طيب طيب". ينادى على الشاهد سراج منير فيتقدم فى خطا ثابتة.
نجد كرسيا مريحا على يمينه رجل بنظارات طبية رفيعة و على اليسار جهاز ضخم يشبه ما نراه فى أفلام الجاسوسية و مسلسلات صالح مرسى يبدو من أسلاكه التعقيد ,و عند إشارة القاضى, يبدأ الرجل ذو النظارة بتوصيل بعض من هذه الأسلاك المذكورة آنفا و لف أطرافها حول أصابع سراج المكتنزة و يومىء لرئيس المحكمة أن "تمام". يسأله " أستاذ سراج, جاهز لجهاز كشف الكذب؟"
فيراجع سراج أفكاره التى تدرب عليها طول الأسبوع مذكرا نفسه أن الحقيقة هى ما نصدق أنها الحقيقة و الكذب ليس كذبا إذا آمنا أنه الحق و لا شىء غيره و يقول " جاهز يا فندم".

الخميس، 23 يناير 2014

ريكشا

أهم ما يميز الهند, بالنسبة لى على الأقل, هو الريكشا. ذلك الجسم المعدنى الصغير المتشبه بالخنفساء, يبدو كدراجة نارية بثلاث عجلات, مغلق السقف مفتوح الجوانب, تشعر أنه سيقذف بك خارج أحشائه فى لحظة انطلاقه. نسميه هنا "توكتوك", وقد كنت مقتنعة تماما أنه يبدو "توكتوكا" بالفعل, بحجمه الضئيل و تحركه الظريف متمايلا فى خفة بين السيارات. لكنه فى الهند "ريكشا" و سوف تقتنع أنه "ريكشا" بشكل كاف فور رؤيتك له.
هو وسيلة التنقل الرئيسية فى شوارع الهند. مرخص و يحمل نمرا و له زى رسمى كذلك فالريكشا جميعا شكل واحد و لون واحد, فى الواقع هما لونان: أخضر فى أصفر.
فى مدينة كبيرة متحضرة كمومباى, تجد سيارات الأجرة ذات الأحجام المتفاوتة و الموديلات المختلفة, لكنك إن امضيت وقتا طويلا فى الهند - مثلى- ستعرف دهاليز مومباى و خفاياها وسوف تعرف أنها ليست متحضرة بالكامل. عشوائيات الهند لا تستقيم أحوالها دون ريكشا فتجده يجوب الشوارع الفقيرة و القذرة فى حركات مستهترة سريعة و غير مدروسة مثل مجموعة صراصير تهرب من البايروسول.
أما الحال فى أنحاء أخرى من الهند فمختلفة.هنا فى مدينة سورات الخضراء الصغيرة حيث أعيش الآن, لا تجد التاكسى, فقط ريكشا فى كل مكان. و بما أنه الوسيلة الرسمية للموصلات هنا, فهو مجهز بعدّاد يفترض أن تدفع على أساس قرائته ثمن التوصيلة, و لكن المفترض ليس بالضرورة ما يحدث فى الواقع أغلب الوقت, فنحن نعامل معاملة السياح, استغلالنا واجب قومى, فلا تجد للعداد عملا فى وجودنا, و اذا طالبنا بتشغيله أنزلنا سائق الريكشا و تركنا نضرب رأسنا فى أقرب حائط و لا يقف الأمر عند هذا, بل يذهب ليتآمر مع زملائه. لم نستسلم من الوهلة الأولى لكنهم يتبعون خطة شريرة و يرفضون رفضا جماعيا باصطحابنا دون أن ندفع ما حددوه من الروبية فنذعن لإرادتهم متأففين مهزومين مطلقين اللعنات و الشتائم بأكثر من سبع لغات.
تأكيدا لإيمانى الدائم بأن البشر أخوة و أننا جميعا ينبغى أن نتعامل على أننا سكان كوكب الأرض كلنا, فقد كان سائق الريكشا لا يختلف كثيرا عن سائق التوكتوك. فمنذ ركوبنا, قرر السائق تقديم التحية لمحو شجاراتنا حول الأجرة و العدّاد. لمسة خفيفة على ما اكتشفنا أنه كاسيت لتندلع منه أصواتا هندية رفيعة جدا, مزعجة و مسلية مثل المهرجانات, ولم تمضى بضع ثوان حتى اندمج مع الكلمات الحكيمة للمهرجان الهندى و أخذ صوته يعلو و يعلو و هو يتحرك يمينا و يسارا بالريكشا. وبينما لم يستسغ الجمع الأجنبى حركات السائق المرحة, كنت أنا سعيدة بحق و أدركت سبب عدم شعورى بالحنين المتوقع قبل السفر.
إبان رحلتى التى استمرت ما يقرب الشهرين, لم يؤثر فى حياتى اليومية كما أثر سائقو الريكشا الهنود, منهم اللعين و منهم الحكيم و منهم قليل الأدب الذى يستحق التهذيب و منهم من يعرض المساعدة مهما كلفه الأمر..ربما فى وقت لاحق, سيظهر كاتب لطيف ليقص حكاياته معهم مثلما فعل خالد الحسينى فى "تاكسى".
أول مرة أركب فيها الريكشا كانت فى اليوم الثالث من وصولى سورات. أخذنى بادى و جنيفر صديقاى الصينيان إلى المكتب لألتقى بباقى الزملاء.
يقع المكتب فى مكان اسمه "عمرة" أو كما كُتب على البطاقة "Umra Garden". منذ وصلت الهند حتى غادرتها لم استطع أبدا حفظ الطريق إلى المدعو "Office", لا أعرف أننا اقتربنا منه إلا عند رؤية ذلك الميدان الصغير المكسى بالحشائش و الورود الصغيرة.
شارع المكتب هو شارع جانبى لطيف حيث تستقر بيوت هادئة ذات سيارات فى الجراج و حديقة صغيرة و شجرات.
المكتب عبارة عن طابق واحد, أصل إلى بابه بعد بضع درجات أطلعهم فى نشاط, أخلع حذائى على الباب كما هى عادة الهنود و أدخل لأفاجىء -أخيرا- بمطبخ المنظمة : "المكتب".

الجمعة، 6 ديسمبر 2013

الطريق الى سورات

بدأت رحلتى فى القطار هادئة ساكتة لا يقطعها الا صوت القطار و همهمات البعض و شخير البعض الآخر. حقيقة, كان الجميع متعاونا..كلما سألت عن الوقت أخبرونى و كلما جعت اطعمونى. مر "الراجل بتاع التذاكر" كما اطلق عليه, لكنه فى الهند يرتدى بدلة و يضع تلك النقطة الحمراء بين حاجبيه..تلك النقطة التى سأفهم فيما بعد أنهم يطلقون عليها "بيندى" و انهم يعتقدون انها تجلب الحظ و تبعد الشياطين و لها بعض الدلالات الدينية كذلك.
يتفقد الرجل جواز سفرى و تذكرتى و يسألنى عن المحطة التى سأنزل فيها فأخبره أنى ذاهبة الى "سورات"..فظهرت على وجهه آثار الشفقة و أخبرنى بانجليزية رديئة أنه ما زال أمامى 5 ساعات.
خشي النوم.
خشيت أن أفوت المحطة و أضيع سابع أكبر بلد العالم.
خفت كذلك من سرقة حقيبتى و بها نقودى, جواز سفرى, كتبى, ملابسى و كل ما أملك.لكنى رغما عنى نمت حتى ايقظنى جامع التذاكر مناديا "سورات".
نزلت بصعوبة من القطار بسبب ضخامة حقيبة السفر..كان الجو حارا, الناس كثيرة و غريبة..اتصلت بمن -يفترض أنه- سيأتى لاصطحابى من المحطة. لم يرد. سألت عن بوابة الخروج فأشارت سيدة ترتدى سارى نبيذى اللون الى أطول سلم رأيته فى حياتى.
"What the hell ?! " كانت كل ما استطعت التفكير فيه فى اللحظة. حملى لحقيبتى و طلوعى هذا السلم اللعين بها هو درب من دروب المستحيل بلا أدنى مبالغة..اتصلت ثانية بمن سأعرف ان اسمه Umang فلم يجب..اتصلت بشخص آخر فأخبرنى أن المذكور آت فى الطريق و أن انتظره خارج المحطة ليرانى.
نظرت الى الحقيبة و أنا العن اليوم الذى خرجت فيه من دارى.
"اتحناجين مساعدة ؟ "
التفت لأجد شابا لا يتعدى سنه العشرين..يكرر السؤال بما يشبه الانجليزية فأهز رأسى أن نعم و أضيف "please ".
يحمل الحقيبة برشاقة لتستقر على رأسه و يتجه الى السلم اللانهائى, يطلعه فى سرعة و أنا أصارع الزحام لألحق به.
و أخيرا, أنا خارج المحطة..أنا فعليا فى المدعوة "سورات".
لم أجد فى الشارع الا التكاتك (جمع توكتوك) و قد أطلفوا عليها لفظ "ريكشا" و لونوها بالأصفر و الأخضر.
انتظرت عشر دقائق رفضت خلالهم العديد من الريكشا التى توقفت لاصطحابى و مساعدات الهنود اللطيفة فى توجيهى حرصا منهم على ألا اتوه او انتظر طويلا.
و أخيرا أتى اومانج بعد طول انتظار..أتى لاصطحابى بتاكسى فحمدت ربنا فى ارتياح.
لم يكن حامل الحقيبة قد رحل بعد فحملها ثانية ليحشرها حشرا بمساعدة اومانج و السائق فى مؤخرة التاكسى, ثم تمتم بالهندية ما معناه انه يريد 200 rupees نظير حمله للحقيبة.
ركبت التاكسى و أنا أشعر أننى بدأت التجربة الحقيقة الآن و قد تعجبت من شعورى بالاطمئنان المفاجىء.
كان السائق مرحا لكنه لا يتحدث الانجليزية, غنى العديد من الأغانى الهندية و شغل الراديو.
فى الطريق تابعت التكاتك و النساء الجميلات و العجائز المهترئات ذوات السارى المشجر..رأيت الفتيات و هى تقود الموتوسيكلات و شعرها يتطاير من خلفها..و لم يلفت كل ذلك انتباهى قدر البقر الذى يمشى ملكا فى كل الشوارع كبيرها و صغيرها, يعترض طريق السيارات و الريكشا و الناس و يتفاداه الجميع و يغيرون مساراتهم ليكمل طريقه الذى لا تستطيع توقعه.
وصلنا الى مكان جميل و راقى..حيث كل عمارة تشابه الأخرى و كل واحدة منها لها حديقة لطيفة و مدخل جميل و جراج فسيح و طاقم حراسة مهذب.
المصعد يستقبلك بموسيقى هادئة والدور الواحد مكون من شقتين واسعتين..بيتنا هو احدى شقتى الدور الرابع.
يقودنى اومانج للداخل مرحبا..أدخل لأجد مراتب مصفوفة على الأرض..بعضها فارغ و الآخر بها أشخاص نائمون.
يشير الى غرفة على اليمين و يقول هنا غرفتك, يفتح الباب و يشير الى مرتبة أرجوانية و يضيف "هذا سريرك".
كان بالغرفة أربعة سرر بالاضافة الى سريرى أو من أجل الدقة مرتبات بالاضافة الى مرتبتى.
لم أندهش كثيرا..ربما بسب حكايات كريم عن حياته فى مومباى خلال الأسبوع الماضى.
لم أدرى تحديدا ما يتوجب علىّ فعله..أسأظل وحيدة هنا؟ هل أخرج و القى التحية على الموجودين ؟ هل أبدل ثياب السفر؟..ماذا أفعل ؟!
و لم تطل تساؤلاتى فقد أتت فتاة ترتدى بيجاما كحلية اللون و تربط شعرها بشريطة برتقالية و قالت أنها بريفان من تركيا و أنها ترحب بى و من أنا و ما المشروع الذى سأعمل به ؟
فأخبرتها انى مى من مصر و أننى سأعمل بمشروع Conserve للبيئة و لم تمهلنى أكثر من ذلك و عرضت علىّ الذهاب معهم (بريفان و فتاتين احداهما من تركيا أيضا و الثانية من فيتنام) الى ماكدونلدز و لكنى كنت متعبة بحق فرفضت آسفة و أخبرتها أنى سأنام قليلا.
و لم أنم قليلا, بل نمت كثيرا, كثيرا جدا. استيقظت و قد شعرت بغرابة وجودى على هذه المرتبة و قد وضعت عليها ملائتى و غطائى الذى أحضرته معى. لم يكن هناك أحد بالغرفة و لم أدرى ما يتوجب علىّ فعله للمرة الثانية..أخرج؟ أنتظر؟ أكمل نومى؟!
جلست فى الظلام اتسائل عما سأفعل حتى قطعت فتاة شديدة النحافة ذات قرط أسفل شفتها حل أفكارى..تفاجأت برؤيتى و رحبت بى بحرارة و هى تقول أنها ملينا من صربيا و أنها لم تعرف أننى قادمة و ان كنت أحب أن العب "أفلام" !
خرجت لأجد عدد كبير من الشباب فى الشقة يأكلون و يتحدثون و ينامون و يتفدون الفيسبوك..بعضهم أتى للترحيب معرفا نفسه و البعض اكتفى بالقاء تحية سريعة او ابتسامة عابرة.
جلسنا على الأرض (فلم يكن هناك مقاعد ولا ارائك) و بدأنا فى اللعب. ضحكنا كثيرا و قد ذاب الثلج بينى و بينهم.
فى الثالثة صباحا انتهينا من اللعب و المزاح و قلنا "Good night " و قد كانت كذلك فعلا.

السبت، 12 أكتوبر 2013

بداية القصيدة

كان الوداع سريعا..لم أدرك ان كان ذلك مناسبا لغياب سيدوم شهر و نصف.
احتضنت والدى و أختى وحبست دموعى بقدرة لم أتوقعها و دخلت المطار وحدى حاملة حقيبة على ظهرى, على ذراعىّ حقيبتا اللابتوب و الكاميرا, جارة من خلفى أكبر حقيبة تم تصميمها على الاطلاق فى تاريخ حقائب السفر.
جرت الأمور فى المطار سريعا..تلقيت مكالمات رقيقة موّدعة و مكالمة مطولة اطلقت فيها العنان لاحاسيسى المضطربة المتضاربة تجاه هذه الرحلة ثم انطلقت للصالة و منها الى الطائرة.
فى شبابى, هذه أول تجاربى فى الطيران..تجلس بجانبى فتاة خليجية كثيرة الكلام..فكرت كثيرا فى ادعاء المرض و الأزمات القلبية أو أن أسير ببساطة الى الباب و ارجع.
انتهى الأمر..انطلقنا و لم يعد هناك مجال للرجوع و أصبح علىّ التأقلم..تذكرت ما قرأت عن دعوة المسافر فدعوت.استمعت الى فيروز و الى حديث الفتاة بجوارى بلا تركيز.
مرت الساعات الأربعة بسلاسة لا بأس بها و وصلت الى أبو ظبى حيث علىّ قضاء ساعتين.
ظللت أبحث عن "صالة 41"..مشيت وراء العلامات..فوق تحت يمين شمال..لم أصل! وجدت أحد رجال الأمن, رجلا ذا ملامح آسيوية و شعر ناعم, سألته محاولة الابتسام عن مكان الصالة مخبرة اياه كل المعلومات التى قد يحتاج معرفتها..ابستم ببلاهة و هو يأخذ التذكرة من يدي و قال مشيرا الى الأعلى :"Downstairs ma'am" !
أدركت أن علىّ الاعتماد على الله و نفسى فقط فى البحث عن القاعة اللعينة. وجدتها بعد ساعة و نصف من البحث و الركض و اللف و الدوران..جلست و أنا أكره أبو ظبى و الهند و العالم.
تفقدت هاتفى وجدت العديد من الرسائل من شركة المحمول التى ترحب بى فى دولة الامارات العربية ملحقة بأرقام خدمة العملة. فى اللحظة ذاتها اتصلت أمى:

" ها يا ميوى بقيتى فين ؟
-........
مى ؟!
-......."

لم استطع الرد و لا الكلام..بكيت كثيرا بعد سماع صوت ماما..انتهيت من البكاء و عاودت الاتصال..تحدثت الى اهلى حتى بدأ القطيع فى التحرك نحو الحافلة التى ستقلنا للطائرة فذهبت.

الجزء الثانى من رحلة وصولى..الطريق من أبو ظبى الى مومباى..كانت الرحلة هادئة و كنت جائعة فأكلت بنهم حتى ابتسم الجالس جوارى..شاهدت " العتبة الخضرا" و أنا اشرب الشوكولا الساخنة.
وصلنا الى مطار مومباى فى حوالى الثالثة فجرا..الجو شديد المطر و المطار..غريب!
اختلفت اشكال الناس و لغتهم و أصبحت وحيدة تماما..انهيت اجراءاتى فى صعوبة و ذهبت لاستلام الحقيبة فوجدتها ممزقة..محضر فاعتذار فكلام بلا طائل الا شعورى بالاختناق.

خرجت من المطار بعد عناء دام ساعة و نصف..كان الجميع قد غادر و لم أجد وجها أعرفه..تمطر بلا توقف فلا أكاد أرى.
أما زال كريم فى انتظارى ؟ تراه شعر بالملل و ذهب ؟
انظر بتركيز فأجده !
اعتذر كثيرا عن التأخير و نتبادل الأحاديث و يخبرنى عن تعلقه بمومباى , فقد جاء الى هند قبلى بأسبوع كامل و هو مقيم بمومباى..أما أنا فذاهبة الى سورات..مدينة صغيرة على بعد 5 ساعات بالقطار من مومباى.
ذهبنا الى رحلة قصيرة حول مومباى..انتابتنى صدمة من قذارة المترو و الشوارع و كمية الرجال التى تقضى حاجتها فى الطريق..
فى 10 دقائق وجدت نفسى فى مكان أوروبى الطابع..حيث الأشجار الخضراء المصفوفة و المبانى الانجليزية الطراز و الفنادق الفخيمة التى لا أجرؤ أن أمد فيها قدما و كما تغيرت المبانى و تغير الناس فرأيت النساء الجميلات بملابسهن غير التقليدية و سياراتهن الفارهة و الرجال ذوى العطور الفخمة و السجائر الغالية و الملابس الsigné .
وصلت الى محطة القطار بعد معاناة دامت ربع ساعة حاول كريم شرح "محطة القطار "
محركا قبضته المضمومة من أعلى لأسفل و هو يصفر مقلدا صوت القطار لسائق التاكسى الذى لا يعرف حرفا من الانجليزية. أوصلنى حتى مقعدى..مقعد مريح فى الدرجة الاولى من ما يسمى Sleeper Class حيث تحل الأسّرة محل الكراسى و ينام الجميع.
ودعت كريم و أنا أشكره و ان كنت لا استطيع شكره كفاية..لولا مساعدته و كفاحه مع حقائبى المهولة الحجم لما وصلت و لجلست أبكى على الرصيف فى مومباى لنهاية الرحلة.